.

حين يجرح الجيش السورى كبرياء إسرائيل

Foto

لماذا فضل نتنياهو عدم تناول الوزراء خبر سقوط الطائرة وقرر أن يتصدى له بنفسه؟ لماذا لم نسمع للقاهرة حديثًا حول سقوط الطائرة؟


كانت العملية العسكرية التى يقوم بها الجيش المصرى على كل المحاور الاستراتيجية للدولة المصرية هى الخبر الأبرز حتى الساعات الأولى من صباح يوم السبت الماضى، وكنت أظن أن خبر زيارة إسماعيل هنية لمصر فى نفس توقيت بداية العملية سيأخذ حظه من المتابعة، لاسيما بعد تواتر أخبار عن تعرضه لأكثر من محاولة اغتيال فى الفترة التى تلت توافقه مع حركة فتح لإنهاء الانقسام الفلسطينى الداخلى، لكن مرة واحدة تراجعت هذه الأخبار لصالح خبر إسقاط طائرة حربية إسرائيلية كانت تُغير على منطقة الكسوة بوسط سوريا، واحتل الخبر مساحة الاهتمام لدى قطاع عريض من الناس، دفعه الفضول لمعرفة مصير الطيار الإسرائيلى! وكان البعض يتابع وهو غير متيقن من الخبر، فلم نعتد فى أى فترة سابقة أن تسقط طائرة حربية إسرائيلية اخترقت سماء سوريا، بل كان الوضع التقليدى أن القوات الجوية الإسرائيلية تعتدى على سوريا أو لبنان دون ردع حقيقى أو أى رد فعل، باستثناء تصريحات الإدانة.. فماذا جرى هذه المرة؟ وعلى الفور وجدنا رواية تقول إن الطائرة سقطت بسبب نيران أطلقت من سوريا، دون تحديد ماهية هذه النيران، فهل هى سورية أم تابعة لإحدى القوى العاملة بداخل سوريا، وهى إيران بالتحديد؟ فلو كانت إيرانية، فبوسع إسرائيل تسويق الموضوع على أن إيران تهدد استقرار المنطقة، بينما لو كانت النيران سورية أطلقها الجيش الأول، فنحن أمام تطور خطير لا يجب السماح به، طبقا لإسرائيل! فمعنى إسقاط طائرة إسرائيلية بيد الدفاعات السورية التابعة للجيش السورى، أن سماء سوريا أصبحت تملك الردع اللازم لصد إسرائيل!

فهل فعلا استطاع الجيش الأول جرح كبرياء إسرائيل وإسقاط مقاتلة من طراز «إف-16»، تعتبر فخر القوات الجوية الإسرائيلية وأقوى سلاح لديها؟ ومن متابعة تداعيات سقوط الطائرة أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلى أصدر تعليمات للوزراء بعدم تناول الموضوع إعلاميا! لاحظ أن وزير الدفاع الإسرائيلى ليبرمان من أشد الوزراء تطرفا، ومع هذا لم نسمع له «حسًّا» يتوعد بعد سقوط الطائرة! لماذا يخشى نتنياهو تناول الوزراء هذا الشأن، ويفضل أن يتصدى له بنفسه؟ وبعد هذا التحذير اتصل نتنياهو بالرئيس الروسى بوتين، معربا عن قلقه من التصعيد الإيرانى! وكأنه بهذا يريد التأكيد أن إيران هى التى فعلتها! وجاءه الرد من بوتين ينصحه بعدم التصعيد فى سوريا! وهو ما فعله نتنياهو بالفعل، ولأول مرة لا نرى رد فعل إسرائيليا عسكريا حاسما، فمنذ متى تسمع إسرائيل نصائح عدم التصعيد؟ ثم وجدنا رد فعل سياسيا باهتا يريد إلصاق الموضوع بإيران، ونفى الموضوع عن الجيش السورى، فبالنسبة لإسرائيل لو كانت الطائرة سقطت بيد الجيش السورى فإن هذا إحراج شديد لا تستطيع إسرائيل تحمله! بيد أن الأحداث توحى بأن الموضوع برمته كان كمينًا سوريًّا لإسرائيل، فلقد انطلقت طائرة من دون طيار من مطار تيفور العسكرى واخترقت سماء إسرائيل، فتصدت لها مروحية إسرائيلية وأسقطتها! كان يمكن أن يقف الموضوع عند هذا الحد، لكن إسرائيل رأت أنها تريد ردع أى محاولات مستقبلية، فانطلقت لتضرب أهدافا قالت إنها «إيرانية» فى سوريا، فإذا بالدفاعات الجوية السورية تسقط إحدى طائراتها، ولحسن حظ إسرائيل سقطت الطائرة فى شمال إسرائيل، ونجا الطياران من موت محقق! تخيل الموقف لو وقع الطياران فى أسر القوات السورية!

من المؤكد أن جيش الاحتلال الإسرائيلى يقوم الآن بعملية مراجعة شاملة لإجراءات التدخل فى سماء سوريا ولبنان، فالأمر لم يعد نزهة، وإسرائيل لا تستطيع المخاطرة بفقدان طائرة أخرى! فلو أن الوضع تكرر مرة أخرى فإن سمعة الردع الجوى الذى تمتلكه إسرائيل سيتضرر أشد الضرر، ولن يصبح ردعا وإنما موروث لسمعة سابقة يحاول نتنياهو أن يحافظ عليها قبل أن تتلاشى! وهذا لا يعنى أن سلاح الجو الإسرائيلى فقد قوته، ولكن يعنى أن الدفاعات الجوية السورية عرفت كيف تتصدى له، وهذا يعتبر تغييرا فى موازين القوى يجب الانتباه له! ولقد سمعنا موقفين من واشنطن بخصوص هذا التطور، الأول أنها لم تشارك فى العملية الجوية الإسرائيلية، فى محاولة للتأكيد أن جهدها متواصل ضد الإرهاب فقط وليس مرتبطا بتغير الوضع بين سوريا وإسرائيل! والموقف الثانى عن وزارة الدفاع الأمريكية، وليس وزارة الخارجية، أنها «تعرب عن تأييد واشنطن التام لحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها أمام التهديدات على أراضيها وشعبها»! لكن البيان لم يوضح أين هذا الحق لجيران إسرائيل المستباحة حدودهم وسماؤهم! لماذا رأت واشنطن إعلان بيان لصالح إسرائيل بعد سقوط الطائرة؟ هل شعرت بحرج جيش الاحتلال الإسرائيلى؟ هل تريد أمريكا أن تسجل نقطة لصالح إسرائيل؟ أغلب الظن أنها تريد استغلال الموقف وتسجيل نقطة ضد إيران، حتى لو كانت متيقنة أن الذى أسقط الطائرة هو الجيش السورى! وعلى نفس المنوال جاءت تصريحات مندوب إسرائيل فى الأمم المتحدة الذى قال إن دولته «ستفعل كل ما بوسعها لتتصدى للتمركز الإيرانى المسلح فى سوريا»! ثم جاء الرد من طهران على لسان الرئيس الإيرانى يحذر إسرائيل من قصف دول الجوار، مؤكدًا استعداد إيران لتعزيز جهودها فى دعم الأمن والاستقرار فى المنطقة.

كل هذه الأحداث التى جرت فى ساعات معدودة، تعكس فى الواقع حجم التوتر بين كل الأطراف التى لها علاقة بسوريا، لكننا لم نسمع شيئًا من تركيا، لم تقل إذا ما كانت إيران هى الفاعل أم سوريا! بل التزمت الصمت، واستمرت فى إصدار البيانات بخصوص عمليتها العسكرية فى عفرين! لكن أين قيادة القوات الجوية التركية؟ ألا يعنيها الأمر من قريب أو بعيد؟ ألا تخشى تركيا على مقاتلاتها العاملة فى سماء سوريا حتى لو كانت فى المنطقة الحدودية؟ ماذا لو قرر الجيش السورى التصدى بدفاعاته للطيران الحربى التركى؟ هل ستوسع أنقرة عمليتها لتشمل الجيش السورى نفسه؟ وهل ستقف موسكو موقف المتفرج؟ إن أى تصعيد إضافى فى سوريا لن يكون مقبولا من أطراف عدة، أولها الدولة السورية نفسها، فلقد استطاعت دمشق الصمود لسنوات طوال أمام الهدم والتخريب، ونجحت بمعاونة الحلفاء والأصدقاء فى منع سقوط الدولة السورية، لكنها قد لا تمتلك الدفاعات الجوية على حدودها، ولكنها قد تصنع كمينا مشابها لتركيا على غرار كمين «الكسوة» الذى أسقط مقاتلة إسرائيلية وجرح إسرائيل فى كبريائها! وأيا كان معنى سكوت تركيا فإنها أخذت خبرا بالموضوع، ولابد أنها ستعيد حساباتها بطريقة أو بأخرى، لكن السؤال المتبقى بخصوص الأطراف التى تعمل ضد الدولة السورية: هل يأتى يوم ونرى فيه الدفاع الجوى السورى يتصدى للمقاتلات الأمريكية التى تعمل فى سماء سوريا بعنفوان القوة من دون إذن من الدولة السورية، ولا شرعية دولية من مجلس الأمن؟ والمقصود ليس تسخين سوريا لارتكاب حماقة تدفع رئيسا متهورا مثل ترامب أن يجد فى سوريا ضالته ويصنع منها فزاعة تلهى الداخل الأمريكى عن أزماته المتتالية، ولكن المقصود هو التمنى لسوريا أن تستطيع حماية نفسها ضد أى معتدٍ!

وأخيرا نصل إلى القاهرة، فلم نسمع أيضا للقاهرة بيانا بخصوص هذا الحادث، قد يكون السبب انشغال القاهرة بالعملية العسكرية الشاملة التى يقوم بها الجيش المصرى فى الوقت الحالى، ولكن القاهرة لابد أنها تتابع كل ما يحدث عن كثب، فمعنى العملية الشاملة أن الجيش أو جزءا منه على أهبة الاستعداد، وهو ما يجعل إسرائيل هى الأخرى تراقب بقلق ما يفعله الجيش المصرى بكل هذه القوة على كل جبهات البلد، وعلى رأسها سيناء، فهل كان التصعيد الإسرائيلى الجوى ضد الجيش الأول هو رسالة أنهم جاهزون لأى تصعيد على أى جبهة؟ وإذا كان هذا هو أحد أهداف إسرائيل من العملية فى منطقة «الكسوة السورية»، فكيف الحال بعد أن سقطت الطائرة؟ هل يشعر جيش الاحتلال الإسرائيلى بأن الرياح تجرى بما لا تشتهيه السفن؟ وكيف الحال بعد زيادة قدرات الجيش الثانى والثالث، وبعد استعادة الجيش الأول بعض إمكانيات الردع الحقيقية؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات