.

كافكا وكلبه وحريته الضائعة

Foto

فى بداية السرد تأكيد على أن أى محاولة لفلسفة العالم تولد ضربًا من الكآبة والتبلُّد، هذا جاء على لسان الكلب، الذى لا يتوقف عن التساؤل ولا يعرف غير التحرى


فى دقة بالغة وفى بناء فنى متماسك، يُشيّد «فرانز كافكا» فى روايته «تحريات كلب» الصادرة عن «الأهلية» للنشر والتوزيع، وقد ترجمها لأول مرة فى الوطن العربى كامل يوسف حسين.. عالمًا موازيًا لا يمنح فيه الإنسان الذى يعيش فى عالم يهمّشه بطولة ما، وإنما يجعل من «كلب» صغير محورًا للأحداث.

فى بداية السرد تأكيد على أن أى محاولة لفلسفة العالم تولد ضربًا من الكآبة والتبلُّد، هذا جاء على لسان الكلب، الذى لا يتوقف عن التساؤل ولا يعرف غير التحرى، والذى يجابه بالصمت ويؤول إليه فينتهى سجين عُزلة نائية.

«إننا كلاب يسحقها الصمت تحنّ إلى الانعتاق منه، بل وبالمعنى الحرفى للكلمة إلى استنشاق ملء الرئتين لمرة واحدة من الهواء النقى». وفى التحريات رسم لمشاهد كابوسية تعكس الحيرة والقلق، ففى يوم مُشمس وفى مكان ناءٍ، يُفاجأ الكلب بجوقة من الكلاب يجمعه وإياها مكان واحد، لكن حاجزًا من الصمت ومن اللا مبالاة يقف حائلاً بينها وبينه، يعزفون الموسيقى فى براعة مذهلة لكنهم يأتون معها من التصرفات الشاذة أخلاقيًّا ما يجعل الكلب مدعوًّا إلى أن يحول بينهم وبين ارتكاب المزيد منها، لكنها الموسيقى وما بها من سحر تصيبه بالعجز وتجعل، كما عند «تولستوى» فى روايته «سوناتا كرويتزر»، ما ليس مقبولاً يمكن قبوله وتقرن ما بين وجودها ووجود الرذيلة، ويتحرى الكلب بعد ذلك عن الغذاء كيف تجود به الأرض، وكأنما فى تحريه معالجة للوجود الروحى المتمثل فى الموسيقى وللوجود المادى المتمثل فى الغذاء، وفى تحريه أيضًا تغطية سوداوية للصراع الأزلى حول متطلبات الجسد، وفى تحريه كذلك معالجة للا معقولية البناء الاجتماعى الذى أفرزته التجربة الإنسانية، وهو ما استدعى الحديث عن نمط الكلاب المحلقة، والذى هو فى جوهره حديث عن طبقة اجتماعية تقف فوق الجميع رغم أنها فارغة وزائفة.. لا تعمل ولا تقدم شيئًا لكنها تتمتع بكل شىء وتورث الزيف والرفاهية.

«فهذه الكلاب لا علاقة لها من أى نوع بالحياة العامة للجماعة الكلابية، إنها تحلّق فى الهواء وهذا هو كل ما هنالك، تمضى الحياة فى دربها المعاد، وبين الفينة والأخرى يشير أحدهم إلى الفن والفنانين، لكن الأمر ينتهى عند هذا الحد. ولكن لماذا يا كلابى الطيبين؟ لماذا بحق الجحيم يحلّق أولئك الكلاب فى الهواء؟ وأى معنى يكمن فى ما يقومون به؟ لمَ لا نستطيع الحصول على إيضاح قصير بشأنه؟ لماذا يحلقون عاليًا هناك، تاركين أرجلهم تتدلى، متشبثين بالانفصال عن الأرض مانحة الغذاء، حاصدين دون أن يكونوا قد زرعوا، حيث سمعت أنهم يحيون حياة مترفة، وعلى حساب المجتمع الكلابى كذلك».

وتنتهى التحريات ببحث مطوَّل وعميق فى: كيف يتجرد الباحث عن الحقيقة وكيف يتحمل المشاق وهو يصارع ذاته ليتهيأ فى النهاية لاستقبال الحقائق المجردة؟ لقد دخل الكلب محور الرواية فى صوم طويل وشاق، فى محاولة لتجاوز ذاته التى انتصبت أمامه عندما خارت قواه، ولم يعد ثمة مجال لأى رغبة..

رحلة طويلة بطول الحياة وعمقها، خاضت مناطق مظلمة وقلقة، لكنها انتهت إلى التشبث ببصيص من نور، والارتكان لشىء من الطمأنينة.

وقد كانت هذه الغريزة هى التى جعلتنى -ولربما من أجل العلم نفسه لكنه علم مختلف عن علم اليوم، علم مطلق- أضع الحرية فى مكانة أسمى من أى شىء آخر. يقينًا، إن حرية كتلك الممكنة اليوم هى أمر بائس لكنها رغم ذلك حرية، مقتنَى نمسكه بأيدينا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات