.

قصص فى أقاصى الخيال

Foto

المجموعة التى تتكون من ثلاثة عشر نصا متفاوتا فى الطول، استهلها الكاتب بمفتتح يقول فيه: «أشتاق للنظر إلى بئرى الأسود.


على الرغم من كون المجموعة القصصية «لغة كل شىء» الصادرة عن دار العين للنشر، هى العمل الأول للكاتب أحمد الصادق، فإنها جاءت مُحْكَمة، وتشى بسيطرة الصادق على أدوات الكتابة، وتجاوزه للكثير من هنّات العمل الأول.


المجموعة التى تتكون من ثلاثة عشر نصا متفاوتا فى الطول، استهلها الكاتب بمفتتح يقول فيه: «أشتاق للنظر إلى بئرى الأسود.

فى الماضى كانت الخفافيش القرمزية تتدفق من فوهته النحاسية. كان يعجبنى ذلك المنظر الجليل.

أظل أتأمله حتى أغفو مغشيا على.

حينها يحدث سيناريوهان: الأول أن أسقط داخل البئر فأموت. والثانى أن أسقط داخل البئر فأحيا. ولكننى كنت أفضل السيناريو الأول دائما، رغم ندرة حدوثه». يضعنا هذا المفتتح مباشرة فى أجواء الكتاب، ثمة أجواء كابوسية وعبثية تكتنف النصوص، أحيانا يصل الأمر إلى صراعات فضائية مثلما يحدث فى قصة «باز – أ»، أو قد تدور أحداث القصة فى العالم الآخر، عالم ما بعد الموت كما فى قصة «مذكرات روح ملكوتية».
المفارقة حاضرة فى عدة قصص فى المجموعة، وربما تتجلّى المفارقة الدرامية فى قصة مثل «آلة القتل الميكانيكية»، حيث يحاول الجندى الذى يحمل هذا اللقب الغريب، قتل خنفسة، مجرد خنفسة، ويبدو شديد الضعف أمامها، وفى النهاية عندما يتمكّن من ذلك، تغمره روح إنسانية وشعور بالندم.

بينما وفى قصة «لغة كل شىء»، ينفى المحاضر الأكاديمى أن يكون هناك أية قيمة لأى شىء خارج قيمتها على ميزان الحواس، ويظل طيلة المحاضرة يتجاهل الفتاة البكماء التى تحاول أن تدلى بمداخلة.

القاص نجح هنا فى نقل المشاعر الداخلية للبكماء عبر تقنية الفلاش باك، ليجسد التناقض والمفارقة الحية بينما مزاعم المحاضر حول قيمة الحواس، فى مقابل ضمور حقيقى لـ«الإحساس» عند ذلك الشخص المادى والحسى بشكل مقزز.


ثمة ثقافة واضحة حاضرة فى القصص، هناك اطلاع تم توظيفه بشكل فنى، بحيث لا تبدو المعلومة محشورة فى سياق الحكى، بل مغزولة بعناية فى نسيج الحكاية، والثقافة هنا متعلقة بالاطلاع فى مجالات الموسيقى والفلسفة والعلوم.


تتميز بعض النصوص ببناء غير كلاسيكى، بعض القصص يتعدد فيها الرواة، وقصص أخرى تتميز بالتقطيع الذى يفضى إلى مسارات «سيناريوهات» متعددة فى النص الواحد. الصادق لا يستخدم هذه التقنيات على سبيل المباهاة، بل جاءت كل تقنية وكل بناء سردى بالضبط فى محله، يخدم الضرورة الفنية والدرامية للنص.


القصص تميل للطول، ثمة نفس روائى حاضر فى بعض النصوص، تبدو قصة «تجليات التطفل»، نموذجا جيدا للاستشهاد به، وبالمقابل، فإن قدرة الكاتب على التكثيف وتقديم نص مشحون ومكهرب فى مساحة ضيقة حاضرة أيضا، «وجدت شمسا»، و«مسامير»، و«آلة القتل الآلية» ثلاثتهم نصوص قصيرة ومضغوطة بفنيات السرد.


أخيرا تتبقى الإشارة للأسلوب، لصوت الكاتب ونَفَسه، إذ يمتك الصادق لغة انسيابية وهادئة، رائقة، بلا زخم شعرى، وبلا جفاف تقرير، تراوح بين الضفتين، وتحمل سمة خاصة.

وبذلك، يمكننا القول إن المجموعة القصصية «لغة كل شىء»، حملت الكثير من المزايا التى تجعلها جديرة بالقراءة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات