متى يتجول ابن زايد مع السيسى فى مولات القاهرة؟

Foto

لماذا لم يعتَد المواطنون المصريون رؤية الرئيس مثلما يحدث بالخارج؟ هل أخذنا من الإمارات إيمانها بالشباب مثلما حصلنا على المعونات؟


المواطن المصرى اعتاد الزحام فى شوارع العاصمة، مما لا شك فيه أن كل مواطن مصرى قضى من عمره ساعات قد تصل -إذا جمعتها- إلى أيام فى زحام الطرق أو الكبارى، حتى أصبح كل مواطن خبيرًا مروريًّا متحركًا، يعرف ساعات الزحام والطرق المنوط به الهرب منها فى أوقات الذروة، ولكن يظل المواطن يكره الزحام المتسبب فيه أحد المواكب الحكومية، يقف المواطنون فى الزحام وينظرون إلى بعضهم بعضًا على زجاج السيارات والمواصلات العامة، ولسان حالهم يقول: «آدى اللى بناخده من الحكومة».

ومن أبرز أيام الزحام والارتباك المرورى فى القاهرة، كان فى أثناء زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين عام 2015، الزيارة التى شهدت حضور الرئيس المصرى ونظيره الروسى أحد عروض دار الأوبرا المصرية؛ ما أدى إلى غلق العديد من الطرق الحيوية فى وسط المدينة، وعلى المواطن التحمل وتصنُّع الرضا ورسم الابتسامات.

كان ما سبق ما خطر فى بالى عندما رأيت الصفحة الرسمية للرئيس عبد الفتاح السيسى عبر فيسبوك تذيع فيديو يجمعه مع ولى عهد الإمارات محمد بن زايد وهما يتجولان فى أحد مولات أبو ظبى، فضلاً عن صورة أخرى جمعتهما فى أحد المقاهى بنفس المول، وسط المواطنين دون ظهور مُبالغ فيه للحراسة والإجراءات الأمنية. وبالطبع خطر فى بالى العديد من الأسئلة: هل كان من الممكن أن أرى تلك الصورة فى مصر؟ هل من الممكن أن يتجول «ابن زايد» فى متاجر القاهرة الكبرى برفقة السيسى وسط المواطنين؟ لماذا لم يعتَد المواطنون المصريون رؤية الرئيس مثلما يحدث بالخارج؟ والسؤال الأهم، لماذا مصر ليست كالإمارات؟!

رغم أن الرئيس عبد الفتاح السيسى حاول إقناع المواطنين بأنه لا يبالى بأى تهديد أمنى، بل وصوَّت بنفسه فى الانتخابات الرئاسية الماضية فى لجنة عامة، ووقف لتقديم التحية للمواطنين، ثم استهل فترة رئاسته بتدشين ماراثون للدراجات، ومرات عديدة يظهر للرئيس فيديو وهو يتجول بدراجته.. رغم كل تلك المظاهر، «السيسى» ليس «محمد بن زايد».

الجانب الأول للإجابة عن الاستفهامات العديدة التى فجرتها صورة «السيسى» برفقة «ابن زايد» يتعلق بمصر تمامًا، مصر رئيسًا وحكومةً وشعبًا وتاريخًا وذاكرة، فالشعب المصرى -للأسف- لا يتعامل مع المسؤول كموظف يصيب ويخطئ، بل دائمًا يضع نفسه بين شقى «النفاق والخوف» أمام أى مسؤول مهم، بدايةً من أمين الشرطة، مرورًا بالضباط، وصولاً إلى الحكومة ورئيس الجمهورية.

نحن مَن ابتدعنا تهنئة الوزراء بحقائبهم الوزارية، وكأن المسؤولية «ترَف» يستحق التهنئة، ونحن أيضًا مَن اعتدنا نعتهم فى برامج التوك شو بـ«معالى- سيادة»، وكأنه ليس موظفًا حكوميًّا شأنه شأن ملايين الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من ضرائب المواطن المصرى.

وبالطبع، بسبب عصور الظلام السياسى التى عاشتها مصر، تفشّت تلك السياسة وتحولت إلى أسلوب حياة يشمل المواطنين والمسؤولين أيضًا، وللأسف هذا الفيروس أصاب أيضًا أعضاء مجالس الشعب والنواب، والمفترض أنهم ممثلون عن الشعب، فتحوّل النائب المنوط به محاسبة الوزير ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية إلى شخص مُطيع يتودد للوزراء وينشئ الصداقات معهم ويعاملهم تحت القبة بمنتهى الرفق، بل ولا يتجرأ على المطالبة بشىء سوى «بناء مستشفى لأهل دائرته، أو إعادة رصف طريق بإحدى القرى». للأسف، أصبحت هذه مهمة أصحاب السلطة التشريعية فى مصر، وأصبح وجودهم ديكوريًّا لا يغير من الواقع السياسى فى شىء.

للأسف، النظام الحالى الذى جاء بسبب ثورة سبقتها بعامين ثورة أخرى، رسخ سياسات الصوت الواحد، وكثيرًا ما قال الرئيس السيسى للمواطنين: «لا تسمعوا لأحد غيرى، لا تقتنعوا بأحاديث غير التى أحدثكم بها»، بل كان دائمًا يهاجم كل مَن اختلف مع سياسات الحكومة الاقتصادية التى التفت على عنق المواطن المصرى، وظلت تخنقه «بالبطىء» دون رحمة، فضلاً عن القبضة الأمنية الشديدة هذه الفترة، وحبس كل مَن تظاهر أو اعترض أو دعا إلى اتخاذ موقف مخالف لمواقف الدولة العامة؛ ما جعل أغلب المواطنين يسيرون مجددًا فى درب: «معالى- سيادة- جناب»، ويلتزمون الصمت تجاه ما يعارضونه.

على الجانب الآخر تكمن الإجابة عن الاستفهامات، فكلمة السر هى «الإمارات»، تلك الدولة التى أصبحت من مصاف الدول المتقدمة وحققت نهضة تستحق الدراسة والتطلع نحوها، وكان الشيخ زايد، مؤسس دولة الإمارات، مؤمنًا بالشباب لأعلى درجة، واعتبرهم الثروة الحقيقية للوطن، وكان يقول: «إننا ننتظر من الشباب ما لم ننتظره من الآخرين، ونأمل من هذا الشباب أن يقدم إنجازات كبرى، وخدمات عظيمة، تجعل هذا الوطن دولة حديثة، وبلدًا عصريًّا يسير فى ركب العالم المعاصر»، وهذا الإيمان كان صادقًا وانعكس على المشهد الإماراتى اليوم، فالحكومة الإماراتية شهدت، عام 2016، تعيين الشابة شما المزروعى (22 عامًا) وزيرة لشؤون الشباب، لتكون بذلك أصغر وزيرة فى العالم، وتطيح بكل من وزير الخارجية النمساوى سباستيان كورتس، الذى حاز على هذا اللقب عندما تولى منصبه وهو فى سن الـ27، وكذلك عايدة الحاج على، التى تولت وزارة التعليم بالسويد وهى فى الـ26. كما شهدت الحكومة حدثًا فريدًا من نوعه، ألا وهو تعيين وزيرتين لشؤون «السعادة والتسامح»، وقد يرى البعض هاتين الوزارتين عديمتى الفائدة، ولكن فى الواقع عمل هاتين الوزارتين انسجم فى جميع ملفات الحكومة وبحث كيفية تقديم الرفاهية وتعديل السلوك والسعادة فى كل الأماكن والملفات الحكومية؛ ما زاد شعور الانتماء والفخر لدى المواطن الإماراتى.

وفى أكتوبر 2017، أعلن الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الإمارات، رئيس الوزراء حاكم دبى، عن تعديل وزارى عزَّز وجود الشباب فى الحكومة، وإضافة 3 وزراء دولة جدد لـ«الذكاء الاصطناعى، والعلوم المتقدمة، والأمن الغذائى المستقبلى»، وهم «عمر بن سلطان العلماء- 27 عامًا»، «سارة الأميرى- 30 عامًا»، «مريم المهيرى- 37 عامًا». ومن سخرية القدر أن التعديل الوزارى تم إعلانه على حساب الشيخ محمد بن راشد عبر موقع التواصل الاجتماعى «تويتر»، وهذه إحدى آليات التواصل مع الشعب، رغم وجود أصوات مصرية تطالب بحظر تلك المواقع.. وهنا يكمن الفارق.

والإيمان بالشباب لا يكتمل سوى بالتعليم، فالأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021 تعتمد على تطوير نظام تعليمى يواكب التطورات السريعة فى أنظمة التعلم والتعليم، وتستهدف الأجندة مضاعفة الاستثمار خلال السنوات المقبلة لتعزيز الالتحاق برياض الأطفال، وتتطلع إلى وضع طلبة الدولة ضمن أفضل طلبة العالم فى اختبارات تقييم المعرفة والمهارات فى القراءة والرياضيات والعلوم واللغة العربية، إضافةً إلى رفع نسب التخرج فى المرحلة الثانوية والجامعات وزيادة أعداد المواطنين الحاصلين على الماجستير والدكتوراه بما يتوافق مع متطلبات سياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهذا ما نفتقده فى أزمة حملة الماجستير والدكتوراه بمصر، هؤلاء الذين لا يطمحون فى شىء سوى التعيين الحكومى الرتيب، وكأن شهادتهم ليست غاية بل مجرد وسيلة لدخول السلك الحكومى.

وضمن أولوية التعليم عدد من المؤشرات الوطنية الأخرى التى تسهم فى تحقيق نظام تعليمى رفيع المستوى، حيث تركز الأجندة الوطنية على تحقيق طلبة الدولة أفضل المراتب فى الامتحانات الدولية؛ لذلك تقيس أداء طلبة الدولة فى امتحان «PISA» لمدى توفر المعرفة والمهارات العملية فى القراءة والرياضيات والعلوم، ومدى تمكن الطلبة من توظيفها فى الحياة، وقياس أداء طلبة الدولة فى امتحان «TIMSS» لاختبار مدى توفر المعرفة والمهارات العملية فى الرياضيات والعلوم للطلاب، وتطمح الأجندة الوطنية لرؤية الإمارات 2021 أيضًا إلى رفع نسبة المدارس بمعلمين ذوى جودة عالية، وذلك من خلال تطوير وتطبيق معايير الرقابة والتقييم المدرسى؛ ما يضمن جودة القيادة المدرسية وعمليات التدريس، بالإضافة إلى تطوير الاختبارات اللازمة لقياس مدى إلمام المعلمين بالمواد وطرق التدريس الحديثة.

أرقام قياسية باهرة حققتها الإمارات، ومستقبل باهر ينتظر تلك الدولة التى تتخذ العلم سبيلاً والشباب أداة، وتجدد دماءها باستمرار، وتشهد اليوم نهضة حقيقية على المستوى الاقتصادى والعلمى والرياضى والإنشائى. وحتمًا لم تملّ تلك الدولة من التعلم، فغدًا سنرى «الإمارات» إمارات أخرى؛ لأنها دولة لا تعرف الاكتفاء، ولا تمل من العمل، وتحترم المواطن وقيمته، وتوفر له مناخًا ملائمًا للعمل والإنتاج، فبالتبعية يحترمها هو الآخر وينتمى إليها بكل حواسه وجوارحه وطاقته.

هذه هى الدولة التى كان يزورها الرئيس عبد الفتاح السيسى منذ أيام، ولكن يبدو أن مصر موعودة بكلمة «ليست»، فمثلما قُلنا مرارًا وتكرارًا إن «مصر ليست تونس»، فاليوم عندما نرى الرئيس السيسى يتجول فى أحد متاجر أبو ظبى مع محمد بن زايد، نقول لأنفسنا: «مصر ليست الإمارات». أتمنى أن تأخذ مصر من تلك الدولة الواعدة نماذج النجاح والتقدم والإيمان بالشباب، مثلما أخذنا منهم استثمارات ومعونات مادية.

حتى الآن لم نصل إلى مصر التى نريدها.. مصر الشباب الذى يكتب بجهوده وعرقه غدًا أفضل للأجيال القادمة، مصر العدالة الاجتماعية التى لا يعيش أغلب سكانها تحت خط الفقر ولا تغيب فيها الطبقة المتوسطة جزئيًّا وكليًّا، مصر الديمقراطية التى شهدت ثورتين فى السنوات السبع الماضية، مصر الإنسانية التى يعيش فيها الجميع سواسية دون تمييز عرقى أو دينى أو جنسى، مصر العِلم، التى تتخذ من البحث العلمى سبيلاً لتقدمها، مصر القانون، التى يخضع فيها الجميع لمظلة قانون عادل لا تُستغل ثغراته فى قلب الحقائق.

اللهم بلغنا مصر التى نريدها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات