.

مهرجان وهران 11.. الهزيمة والانتصار فى الأفلام التسجيلية

Foto


يتفوق مستوى المنافسة فى مسابقة الأفلام التسجيلية على نظريتها الروائية الطويلة فى مهرجان وهران الدولى للفيلم العربى فى دورته الحادية عشرة.

14 فيلمًا تسجيليا عرضت فى إطار المسابقة، اختلفت دولها وموضوعاتها والتقنيات السينمائية المستخدمة فيها، من بين هذه الأفلام اخترنا فيلمين هما المصرى «بودي: فرعون السومو»  للمخرجة سارة رياض، والأردنى «17» للمخرجة وداد شفاقوج، وذلك لوجود عدد من ملامح التشابه بينهما مع اختلافات طفيفة تميز كلًا منهما على طريقته، بينما الاختلاف الأهم والذى يعكس أهمية الفيلم الوثائقى، كان فى نهاية كلا الفيلمين.
يدور الفيلمان فى عوالم الرياضة، يتابع «بودي» الشاب المصرى عبد الرحمن شعلان وشهرته بودى، فى رحلته للتحول إلى مصارع سومو محترف فى اليابان ليصبح بذلك أول مصرى وإفريقى يحترف هذه الرياضة القتالية، بينما يقدم فيلم  «17» كواليس الاستعدادات التى صاحبت المنتخب النسائى لكرة القدم تحت سن 17 عامًا قبل بطولة كأس العالم عام 2016 التى نظمتها دولة الأردن.
صورت سارة رياض فيلمها على مدى ثلاث سنوات تقريبًا، القليل من المشاهد كانت فى مصر لتصور مع أسرة بودى، بينما كان الجزء الأكبر فى اليابان لتتابع تدريباته الشاقة، وتعليقات مدربه اليابانى الذى يشيد بالمستوى المرتفع والألقاب السريعة التى حصل عليها بودى.
على الرغم من جاذبية الشخصية وحضورها القوى على الشاشة، فإن الفيلم كان يحتاج إلى وجود دراما تُثريه، وهو ما لم تستطع المخرجة الوصول إليه كونها تتابع بودى بعد نجاحاته بالفعل وليس قبلها، على سبيل المثال يتحدث المصارع المصرى عن كيفية انتقاله من مصر إلى اليابان لممارسة هذه الرياضة، يذكر أنه تواصل مع 7 أندية ليتدرب ويلعب معها، لكنه فشل مع الستة الأولى وكانت فرصته الأخيرة قبل الرجوع إلى مصر مع النادى الأخير، وقد نجح بالفعل ليُكمل رحلته معه.
تأتى هذه المعلومة فى إطار جملة على لسان بودى، بينما لنا أن نتخيل ما كان يمكن أن يذهب إليه الفيلم لو تابع بالفعل هذه الرحلة فى المدارس السبع، وما كان لهذا أن يضيفه من دراما إلى العمل.
كذلك لم يتوافر فى الفيلم إلا مشهدان فقط لبودى وهو داخل حلبة المصارعة، نحن نسمع فقط عن بطولاته ونجاحاته، لكننا لا نرى منها إلا أقل القليل، إذ نشاهد فيلمًا عن رياضى ناجح، بينما نحتاج إلى أن نشاهد هذا بأعيننا بالتأكيد.
على العكس كان فيلم «17» الذى استفاد من متابعة أكثر من شخصية، بالإضافة إلى المدرب الإنجليزي، واختارت المخرجة التركيز على فتيات بعينهن نظرًا لظروفهن المختلفة التى أسهمت فى صناعة حالة من الترقب لما سيحدث معهن فى الأحداث. كأن تركز مخرجة الفيلم على إحدى الفتيات التى لم يكن المدرب راضيًا عن مستواها، لينتظر المشاهد ما إذا كانت ستنضم إلى الفريق النهائى أم سيتم استبعادها، وهكذا العديد من المواقف.
استفادت وداد شفاقوج أيضًا من تصويرها مشاهد طويلة من مباراة تدريبية بين المنتخب الأردنى وفريق مانشستر يونايتد للفتيات تحت 17 سنة، هذه المشاهد، خصوصا بالنسبة لمن لا يعرفون نتيجة المباراة، خلقت تلقائيًا حالة من التفاعل والتعاطف مع اللاعبات، وصار المشاهد فى انتظار وصولهن إلى كأس العالم، بالإضافة إلى الإخراج الجيد لمشاهد المباراة، إذ استفادت من الحماس التلقائى للعبة، وصنعت من خلالها دراما داخل الفيلم فى انتظار النتيجة.
اختار الفيلم المصرى تقديم قصة صعود البطل وصناعته، وتخصص المخرجة الدقائق الأخيرة من الفيلم لاستعراض نجاح بودى من خلال مشاركته فى بعض الفاعليات اليابانية وتفاعل اليابانيين معه وإعجابهم به بشكل واضح، هذا الإعجاب الذى كان ظاهرًا حتى فى كلمات المدرب عنه، لتترك لنا نموذج بطل نجح فى تحقيق حلمه بعيد المنال، بالسفر إلى الخارج وممارسة رياضة غير منتشرة فى مصر من الأساس.
فى المقابل انتهت حالة الترقب فى الفيلم الأردنى بمتابعة هزائم مريرة للمنتخب الذى نتابعه، ليُقصى من الدور الأول لكأس العالم، وهنا قدمت المخرجة مفارقة بذكاء شديد، فبينما نتابع منذ البداية هؤلاء الفتيات ونشاهد حماسهن، لكننا فى الوقت نفسه نشاهد الكثير من المخالفات التى تحدث فى معسكر التدريبات، مثل ملاحقة أهالى اللاعبات لبناتهن للحصول على تذاكر حضور المباريات، وليس أية تذاكر بل تذاكر الدرجة الأولى، ونشاهد أيضًا ملامح لبعض الفساد داخل أروقة المعسكر، إذ يحصل والد إحدى اللاعبات دون غيره على 10 تذاكر بسبب نفوذه.
الذكاء الذى ذكرناه لأن المخرجة عرضت كل هذا فى إطار معسكر التدريبات دون أن تكون ملامح الفساد أو التراخى تلك هى المسيطرة على الحدث، فيشعر المشاهد أنها غير مهمة، أو أنها قلاقل طبيعية يمكن أن تحدث، إلى أن يصطدم فى النهاية بنتيجة المباريات فيتذكر فورًا كل هذه الأحداث التى لم تعد هامشية الآن بل صارت هى الحدث، كنا نتابع قصة سقوط ولكنها مغلفة بإطار يبدو براقًا.
يودع الفيلم المصرى شخصيته بطلًا فى نهاية الأحداث، مع وعد بمواصلة النجاحات، المفارقة أن بودى اعتزل من اللعبة فى بداية العام الحالي، وهو ما لم يلحق الفيلم تغطيته، هكذا نعرف أن البطل لم يواصل نجاحاته، بينما يترك الفيلم الأردنى نافذة أمل لبطلاته المهزومات، من خلال كتابة سطور توضح أن بعض المشاركات فى المنتخب أمامهن فرصة أخرى للعب فى بطولات أخرى.
اختارت المخرجة الأردنية أن تنهى الفيلم مباشرة بعد صدمة الهزيمة، وإن تركت هذه السطور للمشاهد حتى لا تبدو الصورة سوداء تمامًا فى النهاية.
كما ذكرنا، المنافسة فى المسابقة التسجيلية هى الأقوى، مع وجود أفلام مثل ”طعم الأسمنت“ لزياد كلثوم و“آلات حادة“ لنجوم الغانم و“رجال وكباش“ لكريم الصياد، لكن مع فوز القليل منها فقط بالجوائز أو التنوهيات، فإن الكثير منها سيبقى كتجارب مهمة للمشاهدين أو لصناعها.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات