.

فى حب بابلو وكراهية إسكوبار!

Foto

لماذا جاء سرد العلاقة العاطفية لإسكوبار خافتًا مقارنة بمشاهد الأكشن؟ هل أضاف الفيلم جديدًا إلى حكاية بارون المخدرات الكولومبى الأكثر شهرة؟


الجريمة لا تفيد فى الواقع، ولكنها قد تصنع أعمالًا فنية مؤثرة وجذابة، لهذا تظل الأعمال الدرامية البوليسية وأفلام ومسلسلات الجريمة الأكثر شعبية وجاذبية، فهى تصور النفس البشرية بتناقضاتها، وصراعها بين الخير والشر. فى مذكراتها التى تناولت سنوات علاقتها بتاجر المخدرات بابلو إسكوبار، قالت الصحفية والمذيعة الكولومبية فيرجينيا فاليهو، إنها أحبت بابلو، وكرهت إسكوبار، وذلك فى إشارة إلى وقوعها فى غرام بارون المخدرات الكولومبى الشهير بابلو إسكوبار.

فرجينيا، مثلها مثل أية امرأة أحبت الرجل، ولكنها كرهت مهنته كمُجرم وإرهابى لا يتورع عن القتل والتعذيب فى سبيل حماية عصابته، حتى أصبح واحدًا من أشهر بارونات المخدرات فى التاريخ، واختارت فيرجينيا هذا المعنى المتناقض لعواطفها نحوه، ليكون عنوان كتابها الشهير «Loving Pablo, Hating Escobar» «أحببت بابلو، وكرهت إسكوبار».
هذا الكتاب هو مصدر سيناريو الفيلم الإسبانى «Loving Pablo»، وقام بكتابة السيناريو وإخراج الفيلم فرناندو ليون أرانوا، وهو بطولة خافيير بارديم فى دور بابلو إسكوبار، وبينولوبى كروز فى دور فيرجينيا فاليهو، وحسب ما يشير إليه العنوان والأفيش يقدم الفيلم حياة إسكوبار من زاوية علاقته بفيرجينيا، وما توقعته من الفيلم هو عدم تفويت فرصة تقديم شخصية إسكوبار بعيون العشيقة التى أحبته رغم كل الأذى الذى تعرضت له بسبب هذه العلاقة، والتركيز على اللحظات الإنسانية لشخصية مركبة، فهو رجل العصابات المخيف، ورجل العائلة المحب لأسرته والعاشق للنساء، ولكن الفيلم طوال ما يقرب من ساعتين غرق فى الحكايات التقليدية عن عالم الجريمة الذى خلقه إسكوبار وعصابته، وطغى على السيناريو تفاصيل هذا العالم الأكثر إثارة وحركة على الشاشة.
منذ وفاة إسكوبار فى التسعينيات وحكايته مادة للأفلام والبرامج الوثائقية، وهذه الأعمال رصدت تفاصيل صعود وهبوط إسكوبار على طريقة صدق أو لا تصدق، فحياة الرجل وتفاصيل مسيرته فى عالم الجريمة ثرية بتفاصيل يصعب تصديقها، فهو لم يكن مجرد تاجر مخدرات كولومبى تطارده الشرطة، بل مجرم تحاربه دولة عظمى كالولايات المتحدة التى كانت تعانى من إغراقه المدن الأمريكية بالكوكايين، وعلى المستوى المحلى حاول إسكوبار تلميع صورته من خلال المساهمة فى أعمال الخير، ووصل إلى عالم السياسة، ونجح فى الحصول على مقعد فى البرلمان الكولومبى، وهنا تدخل بعض رجال الدولة لوقف مسيرته نحو قمة السلطة السياسية، وحينما نجحوا فى ذلك أعلن حربًا شاملة ودموية ضد رجال السلطة والقضاء والشرطة.
على المستوى الدرامى بابلو إسكوبار نموذج خصب لشخصية الشرير ذى الملامح الإنسانية الدافئة، فهو لم يكن هذا الشرير النمطى الذى يكرهه المشاهد فى كل فريم يمر أمامه على الشاشة، وهناك لحظات ولقطات تخفت حالة الكراهية، وتعلو حالة التعاطف مع الإنسان، وهناك عدد من الأعمال التى تناولت سيرة إسكوبار، ومرت بصورة عابرة على علاقته بالصحفية فيرجينيا فاليهو، ومن أبرز تلك الأعمال الموسم الأول من مسلسل «Narcos» «مهرب مخدرات»، وهو من إنتاج شبكة «نتفليكس»، وتناول مسيرة حياة إسكوبار من وجهة نظر الفريق الأمريكى المكلف بمطاردته والقبض عليه، ويظل هذا العمل الذى قام ببطولته الممثل البرازيلى فاجنر مورا، من أكثر الأعمال الدرامية التى سردت حكاية بارون المخدرات بصورة جمعت بين الملامح الإنسانية للشخصية، وضفرتها ببراعة بتفاصيل إدارته اليومية لإمبراطورية الجريمة التى تزعمها لعقود.
بعد حذف الألقاب والمهن تبقى حكاية بابلو وفيرجينيا قصة حب من نوع خاص بين رجل وامرأة، هى أحبت الرجل القوى الشهم الكامن خلف العديد من أقنعة الشرير الصارم العنيف، وهو وجد فيها الأنثى الناضجة الشغوفة الذكية التى أحبته بلا تحفظات رغم معرفتها بحقيقته التى كان يحاول إخفاءها دائمًا، هى تحب الرجل وتخبره أنها لا علاقة لها بأعماله المشبوهة كبارون مخدرات، ولا يجب أن تتلوث علاقتهما بتفاصيل مهنته.
هذه التحفظات لا تجعل علاقتهما مثالية، فكلاهما استغل الآخر فى لحظات ما، هو استخدم الصحفية للترويج لنفسه كرجل أعمال خيرية، وهى استغلت علاقتها به لكسب خطوات متقدمة فى مسيرتها المهنية، هو لم يستطع التوقف عن حبها رغم طلب زوجته ذلك، وهى وجدت نفسها متورطة فى عالمه، وبدا لها هذا باهرًا فى البداية، وكانت له تداعياته مع مرور الوقت.
من المستحيل فصل شخصية الإنسان فى لحظاته الخاصة عن تصرفاته فى عمله وعلاقاته وصراعاته اليومية العنيفة، ولكنه ذلك الوهم الساذج الذى يصنعه الحب كغلاف ضبابى لعلاقة محاطة بالخطر، وهذا الوهم هو الذى بحث عنه كل من بابلو وفيرجينيا فى علاقتهما، فهو يحب فيرجينيا، لكنه لا يقبل أن تقارن نفسها بزوجته التى اختارته كرجل فقير فى بداية زواجهما، وهى تنجذب إليه، وتنفر من عالمه، تحب قوته وثراءه.
لا يركز السيناريو الذى عانى من التشتت فى تفاصيل وموضوعات كثيرة على دوافع وتفاصيل العلاقة بين بابلو وفيرجينيا، فهو يضع أمامنا فى البداية انبهارها بما يقدمه للفقراء من مساعدات لا تقدمها الحكومة، ومن خلال نفوذه يهدد زوجها لإتمام إجراءات الطلاق الذى كانت تطلبه، ثم يغرقها بالهدايا والأموال رغم أنها لم تطلب ذلك، هو كشخص من أصول فقيرة لا يجد هدية أكثر قيمة من المال، وهى كمذيعة مرموقة ميسورة الحال لا تطمع فى المال تحديدًا، لكنها لن تمانع فى مزيد من الأناقة التى تأتى مع الملابس الفاخرة والمجوهرات التى تحصل عليها من أكثر رجال العالم ثراءً.
شعبية شخصية مجرم مثل إسكوبار تعود إلى عوامل درامية عميقة وجذرية، فهو زعيم عصابة من أصول ريفية، ويظل محتفظًا داخله بطباع الرجل الشعبى، القريب من العامة، والذى يعلم همومهم ومتطلباتهم الحقيقة، ويسهل أن يصنع منه السيناريو الشرير البطل، الذى يتعاطف معه المشاهد فى بعض الأحيان، ويتمنى فوزه فى معركته مع الدولة ومع منافسيه، وهذا الرسم المحير للشخصية يعود إلى تعقيدات الشخصية الدرامية، فإدراك الشر والحكم على مرتكبه أمر طبيعى، ولكن أمام الشاشة والتفاصيل التى يصنعها الفن يتخلى المشاهد مؤقتًا عن دور القاضى، ويسترسل مع التفاصيل الإنسانية أكثر، ولهذا نتعاطف مثلًا مع شخصية سعيد مهران التى جسدها شكرى سرحان فى فيلم «اللص والكلاب»، رغم أنه يجسد شخصية مجرم، نتعاطف مع قصة حب شادية له، دون الحكم أخلاقيًّا على مهنتها كفتاة ليل، وإذا مددنا هذا الخط إلى نهايته سنجد أن الدراما قدمت نماذج شريرة عديدة تعاطف معها المشاهد، لأنه وجدها قريبة منه.
فى علاقة إسكوبار وفيرجينيا مساحات لتفاصيل درامية أكثر عمقًا مما يبدو، فهى صحفية ذكية وناجحة وأنثى جميلة، وكان يمكن أن تتوقف علاقتها بإسكوبار عند حدود السبق الصحفى المهنى، لكنها تتعثر فى تفاصيل الرجل الذى تعيد اكتشافه بعيدًا عن الشائعات والدعاية الصحفية، ويقترب السيناريو من مناطق ملهمة فى علاقة الرجل والمرأة، لكنه ينجذب مرة أخرى لأجواء الأكشن وتفاصيل عالم إسكوبار.
من التفاصيل التى أثَّرت كثيرًا على الفيلم هو استخدام الفيلم الإسبانى للغة الإنجليزية بلكنة إسبانية كلغة للحوار، على الرغم من كون اللغة الإسبانية هى اللغة الرسمية فى كولومبيا موطن الأحداث، ويبرز هذا اهتمام صُناع الفيلم بالجمهور الأمريكى الذى لا يفضل قراءة الترجمة، وهذا أثَّر كثيرًا على حالة الفيلم، وعلى أداء كل من خافيير بارديم ونينيلوبى كروز، إذ رسم كل منهما شخصيته بملامح معبرة وجذابة، باستثناء هذه اللكنة المضحكة التى كانا يستخدمانها فى الحوار.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات