.

هل يستطيع الجنون الحفاظ على السلام بين إسرائيل وإيران؟

Foto

كيف تلعب العسكرية الإسرائيلية لعبة الشطرنج ثلاثى الأبعاد فى المنطقة؟ ما استراتيجية إسرائيل للحفاظ على صراعها مع حزب الله وإيران على نار هادئة؟


ترجمة: أميرة جبر

 

نقلًا عن جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية فى ٣٠ يناير ٢٠١٨

 

الحدود السورية، مرتفعات الجولان.. مَن كان يعلم أن مستقبل الحرب سيقدم نفسه بهذا القدر من الجمال الهادئ، مثل إحدى لوحات القرن التاسع عشر الدافئة لديڤيد روبرتس التى تصور مناظر طبيعية فى الشرق الأوسط.

كيف ذلك؟ أسافر حاليًّا على طول طريق الحدود الإسرائيلية لدى تقاطع لبنان وسوريا وإسرائيل، وعلى بعد مسافة تجد جبل حرمون (يقصد «جبل الشيخ») غطاه الثلج مؤخرًا ويتسول المتزلجين، وتحيطه القرى اللبنانية والسورية الساكنة فى تلال متدرجة متجاورة تتوجها المآذن والصلبان، والصوت الوحيد الذى تسمعه من حين إلى آخر هو لطلقات بنادق الصيادين اللبنانيين.

ولكن هذه ليست لوحة لروبرتس بل إنها ثانى أخطر بقعة على وجه الأرض -بعد شبه جزيرة كوريا- وهى الخلفية الشاعرية لما أصبحت عليه الحرب فى القرن الحادى والعشرين.

وهذا لأن مختبئة فى تلك القرى والتلال وغابات الصنوبر ستجد دولة -إسرائيل- تحاول اجتياز ساحة معركة مع جيش دولة منافسة (سوريا) وقوة عظمى إقليمية منافسة (إيران) وقوة عظمى عالمية (روسيا) ومرتزقة ومجانين ممكنين بقوة (حزب الله وداعش) والقبائل والطوائف المحلية (الدروز والمسيحيون).

وقد جئت لهذا التقاطع المزدحم لأنه معرض للانفجار فى أى لحظة، فإذا كانت المواجهات فى سوريا والعراق بين تحالف عالمى واسع و«داعش» القصة الرئيسية لعام ٢٠١٧، فستكون القصة الكبرى لعام ٢٠١٨ بالتأكيد المواجهات التى تختمر بين إسرائيل وتحالف إيران وحزب الله والشيعة بامتداد الحدود السورية واللبنانية مع إسرائيل.

وعلى مدى العامين الماضيين، وجه بين ١٥٠٠ و٢٠٠٠ مستشار إيرانى يعملون من بيروت ودمشق آلافا من مرتزقة حزب الله اللبنانى الشيعى الداعم لإيران وقوات الجيش السورى الممول من إيران، ونحو ١٠ آلاف من المرتزقة الشيعيين الداعمين لإيران من أفغانستان وباكستان، لإيقاع الهزيمة بالمتمردين السوريين السنيين و«داعش» فى الحرب الأهلية السورية.

وأنا شخصيا لست ضد إيران، إذ أحترم أن لإيران مخاوف أمنية شرعية فى الخليج الفارسى (يقصد «الخليج العربى»)، ولكن لدى بضعة أسئلة: ما الذى تفعله إيران هنا بحق الجحيم بالمساعدة فى تحطيم الديمقراطية فى لبنان وأى أمل لتقاسم السلطة فى سوريا، والآن بتشكيلها تهديدا مباشرا لإسرائيل؟ وإلى أى مدى ستستخدم روسيا -شريكة إيران فى سحق الانتفاضة فى سوريا، والتى هى أيضا على علاقة طيبة بإسرائيل- صواريخها «S-400» الأرض جو، والتى الآن تغطى سوريا ولبنان، لحماية إيران وحزب الله؟

والسؤالان وصلا إلى المقدمة هذا الأسبوع، فاسمعوا ما قاله رئيس وزراء إسرائيل بيبى نتنياهو، والذى التقى لتوه بڤلاديمير بوتين للمرة السابعة فى عامين، بعد لقائهما يوم الإثنين: إسرائيل لن تسمح لإيران بترسيخ نفسها فى سوريا وتحويل لبنان لـ«مصنع صواريخ دقيقة.. لقد أوضحت لبوتين أننا سنوقف ذلك إذا لم يتوقف من تلقاء نفسه».

أوبا..

وحتى الآن تلعب القيادة العسكرية الإسرائيلية لعبة الشطرنج ثلاثى الأبعاد هذه لحرب القرن الحادى والعشرين بكفاءة عالية جدا؛ إذ تمكنت من البقاء خارج حرب سوريا الأهلية وفى الوقت نفسه فجرت جراحيا محاولات من قبل إيران وحزب الله لتطوير قدراتهما الصاروخية ضد إسرائيل، ولكن الضباط الإسرائيليين سيقولون لك إن حزب الله وإيران قد لعبا فى جانبهما من لوحة الشطرنج بشكل جيد أيضا، ويحاولان باستمرار التقدم ببطء إلى الأمام.

إذن فما استراتيجية إسرائيل للحفاظ على صراعها مع حزب الله وإيران على نار هادئة؟ أولا، تؤكد لحزب الله وإيران، من خلال قنوات عديدة، أنهما لا يستطيعان التفوق على إسرائيل فى الجنون، أى إذا فكر حزب الله وإيران فى أن بإمكانهما وضع منصات صواريخ فى قرى وبلدات لبنانية وسورية مكدسة بالسكان ويتوقعان أن إسرائيل لن تضربها إذا كان ذلك يستلزم ضحايا مدنية جانبية كبيرة، فإنهما مخطئان اليوم كما كانا فى عام ٢٠٠٦.

إن المخططين العسكريين الإسرائيليين مقتنعون أكثر من أى وقت آخر أن السبب الرئيسى لتجنب حزب الله صراعا كبيرا مع إسرائيل منذ حرب إسرائيل/ حزب الله الكبرى فى لبنان عام ٢٠٠٦ هو أن القوات الجوية الإسرائيلية قد قصفت -دون رحمة أو ضبط للنفس- البنية التحتية اللبنانية ومكاتب حزب الله وأهدافا عسكرية فى الضواحى الجنوبية لبيروت، وليس لقتل المدنيين ودون أن ترتدع من وجودهم إذا كانوا متداخلين مع أسلحة ومقرات حزب الله.

نعم، كان هذا فظيعا ووحشيا، بحسب المخططين الإسرائيليين، ولكنه فلح. هذه ليست إسكاندنڤيا، إذ يقول أحد الضباط الإسرائيليين: «الواقع هنا يبدأ من حيث ينتهى خيالك»، ففى بعض الأحيان الجنون وحده يستطيع وقف الجنون، وقائد حزب الله حسن نصر الله بالتأكيد وصلته الرسالة، فقد أعلن عقب حرب عام ٢٠٠٦ أنه ما كان ليبدأ هذا الصراع إذا كان يعلم مسبقا أن إسرائيل ستلحق هذا الكم من الدمار بمؤيديه الشيعة وممتلكاتهم، إذ قال: «قطعا لا».

ويأمل المخططون العسكريون الإسرائيليون أنه يتذكر ذلك، وأن إيران تتذكره أيضا. ويقولون إنه إذا كانت تفكر فى شن حرب بالوكالة ضد إسرائيل من لبنان وسوريا، بينما لا يمس شىء الجبهة الداخلية الإيرانية، فينبغى أن تعيد تفكيرها مجددا، لأن إسرائيل لم تشترِ غواصات من طراز «دولفين» والتى تستطيع خوض العمليات فى الخليج الفارسى (يقصد «الخليج العربى») وسلحتها بصواريخ جوالة «كروز» من أجل الصيد فى أعماق البحار.

ولكن إيران خصم عاقد العزم ومراوغ، فقد حسنت قدراتها على تحويل صواريخ أرض/ جو «بلهاء» (أى غير ذكية) تنتمى لتكنولوجيا السبعينيات إلى صواريخ أرض/ أرض ذكية محددة من خلال إعادة تكوينها بروابط نظام تحديد المواقع (GPS) ونظم ملاحة بالقصور الذاتى وأجنحة ديناميكية وكروت ذكية. وقد استخدم الحوثيون، حلفاء إيران فى اليمن، هذا النوع من الصواريخ فى الشهور الأخيرة.

وقال الإسرائيليون لبوتين إنهم لن يسمحوا لإيران ببناء مرافق صواريخ مثل تلك فى لبنان أو بنقل قذائف محددة مثل تلك إلى حزب الله فى لبنان من خلال مستودعات أو مصانع فى سوريا، وأنه ينبغى على روسيا أن لا تدخل فى أية عمليات إسرائيلية ضدهم، وليس واضحًا ما إذا كان بوتين قد قدم أى وعود.

وهذه مسألة ليست هينة، فإذا أراد حزب الله اليوم ضرب مبنى عسكرى أو مصنع تكنولوجيا فائقة إسرائيلى محدد من لبنان بصواريخ مساحية أقل دقة، على الأرجح سيضطر إلى أن يطلق ٢٥ قذيفة «بلهاء». وإذا طبق حزب الله التطويرات الإيرانية سيحتاج إلى أن يضرب صاروخًا واحدًا فقط -مع احتمال كبير جدًّا بضرب الهدف فى حدود ٣٠ مترًا، مما يعنى أنه سيكون قادرًا على إلحاق دمار كبير ببنية إسرائيل التحتية فى فترة زمنية قصيرة جدًّا.

والحرب لا مفر منها، فعلى مدى الـ١٢ عامًا الماضية انخرطت إسرائيل وحزب الله وإيران فى ما وصفه ضابط إسرائيلى بـ«حوار حركى»، حيث يحاول الجانبان احتواء الصراع وعدم إذلال الآخر. وعندما قتلت إسرائيل، فى يوم ١٨ يناير ٢٠١٥، لواءً إيرانيًّا وعددًا من مقاتلى حزب الله فى سوريا رد حزب الله بإطلاق قذيفة على مركبة للجيش الإسرائيلى على الحدود، مما أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين، وكان هذا أكبر تصعيد منذ حرب عام ٢٠٠٦.

ولكن بعد تفكير دقيق اختارت إسرائيل أن لا ترد على الرد، وتوقفت إيران وحزب الله أيضًا بعد توصيل رسالتهما، وكان هذا مثالًا على الحوار الحركى، ولكن إلى متى نستطيع أن نثق فى أنه سيفلح؟

إن إسرائيل وإيران وحزب الله جميعًا أقوى مَن ما كانوا فى عام ٢٠٠٦، ولكنَّ كلًّا منهم لديه أكثر ليخسره من حرب صاروخية جديدة، فقد أصبح «وادى سيليكون» الإسرائيلى -وهو شبكة إسرائيل المهولة من شركات التكنولوجيا الفائقة على طول سهلها الساحلى- محرك نمو ضخمًا، وتولَّى حزب الله وإيران سيطرة افتراضية على الدولتَين اللبنانية والسورية، فلا أحد يريد خسارة مكاسبه.

وينبغى أن يكون ذلك مصدرًا للتفاؤل، ولكنَّ للأسف هناك فرصًا كثيرة جدًّا للحسابات الخاطئة فى لوحة الشطرنج ثلاثى الأبعاد تلك لأن تكون متفائلًا بأن السنوات الـ١٢ القادمة ستكون بنفس هدوء السنوات الـ١٢ الأخيرة.

وكما نوه لى ضابط عسكرى إسرائيلى على الحدود السورية- الإسرائيلية: «نريد إبقاء الوضع الراهن المؤقت إلى الأبد لأن كل شىء آخر يبدو أسوأ».

......

توماس فريدمان

كاتب وصحفى أمريكى، فاز بجائزة «بوليتزر» ٣ مرات، يكتب عمودًا أسبوعيًّا فى جريدة «نيويورك تايمز»، متخصص فى الشؤون الخارجية، وفى الثمانينيات كان مديرًا لمكتبَى الجريدة فى بيروت والقدس، ثم مراسلًا دبلوماسيًّا فى واشنطن، ولاحقًا مراسل البيت الأبيض.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات