.

ملف المساعدات الأمريكية المفتوح دائمًا

Foto

كيف فسرت الخارجية الأمريكية قرارها الأخير برفع الحجب عن 195 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر؟ ما الأسباب الحقيقية المحتملة وراء التراجع عن القرار السابق؟


جاء إعلان وزارة الخارجية الأمريكية الأسبوع الماضى عن قرارها بإلغاء تجميد مبلغ 195 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، والذى كان قد سبق تجميده فى أغسطس من العام الماضى وتسبب فى توتر معلن فى العلاقات بين مصر والإدارة الأمريكية، ليمثل تراجعا من إدارة ترامب عن قرارها السابق بما يقدم مؤشرا واضحا إما على زيف الأسباب السابق إعلانها وراء هذا القرار والتى قالت الخارجية الأمريكية وقتها إنها تتعلق باحترام حقوق الإنسان والديمقراطية، أو على تراجع أولوية هذا الملف تماما لدى الإدارة الأمريكية فى علاقاتها مع مصر.

وبينما جاءت تصريحات مسؤولى الخارجية الأمريكية لتفسر القرار الأخير بأن «مصر اتخذت خطوات على مدى العام الماضى استجابة لمخاوف أمريكية معينة» دون توضيح طبيعة أو تفاصيل تلك الخطوات، مع الإشارة فى الوقت نفسه إلى «استمرار التعبير عن المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية»، إلا أن استرجاع التحليلات والمعلومات التى نشرت منذ أغسطس من العام الماضى حول الأسباب الحقيقية لقرار الإدارة الأمريكية، ومتابعة ما جرى خلال العام الماضى قد يفسر بطريقة أكثر وضوحا تراجع إدارة ترامب وخارجيته عن هذا القرار الذى كان قد اتخذه ريكس تيلرسون وزير الخارجية السابق بناءً على توصية الكونجرس، وهو ما قام وزير الخارجية الأمريكى الجديد مارك بومبيو بالتراجع عنه رغم استمرار الأصوات المعارضة داخل الكونجرس لأوضاع الحريات فى مصر وآخرها ما بدا فى جلسة لإحدى اللجان الفرعية بلجنة العلاقات الخارجية فى مجلس النواب الأمريكى الأسبوع الماضى، والتى شهدت انتقادات حادة لسجل مصر فى حقوق الإنسان والديمقراطية وحرية الصحافة وغيرها من الملفات، لكن قرار الإدارة الأمريكية يمكن تفسيره فى سياق ثلاثة أمور رئيسية، أولها الزيارة الأخيرة التى قام بها وفد أمنى وعسكرى مصرى للولايات المتحدة شمل عقد العديد من اللقاءات مع المسؤولين الأمريكيين، وهو ما يبدو أنها أسفرت عن تفاهمات أدت لتعديل وجهة نظر الإدارة الأمريكية بخصوص ملف المساعدات العسكرية.. الأمر الثانى يتعلق بالتطور الأخير فى ملف القضية المعروفة إعلاميا بالتمويل الأجنبى والتى تحمل رقم 173 لسنة 2011 والتى شهدت صدور أحكام سابقة بالسجن شملت عددا من المتهمين الأجانب، وهو ما قررت محكمة النقض المصرية مؤخرا إلغاءه وإعادة المحاكمة أمام دائرة جديدة بمحكمة الجنايات.. ويأتى ذلك رغم استمرار التحقيقات التى تمت إعادة فتحها ضد متهمين جدد من العاملين بمنظمات المجتمع المدنى من المصريين والتى لا تزال مستمرة حتى الآن، وكذلك رغم عدم تعديل قانون الجمعيات الأهلية الذى سبق صدوره من مجلس النواب والتصديق الرئاسى عليه وإن كان لا يزال معطلا حتى الآن بسبب عدم صدور لائحته التنفيذية فى ظل الكثير من الانتقادات الداخلية والخارجية التى طالت هذا القانون.
أما الملف الثالث والذى قد يكون الأهم فهو الأوضاع الإقليمية الراهنة، سواء على صعيد تقدم مصر فى ملف مكافحة الإرهاب، أو الدور المصرى فى الملف الفلسطينى على وجه الخصوص وهو ما أشار له وزير الخارجية الأمريكى فى اتصاله الهاتفى مع نظيره المصرى والذى يبدو أن الولايات المتحدة تراهن عليه بشكل كبير، رغم ما يبدو فى ما هو معلن من خلاف فى التصورات والرؤى بين الإدارة الأمريكية والنظام المصرى فى ما يتعلق بملف القضية الفلسطينية وما يتردد عن بنود صفقة القرن، فإن هذه الخطوة من جانب الإدارة الأمريكية قد تمثل نوعا من التمهيد لتقريب وجهات النظر بين الطرفين خصوصا فى ظل الدور المحورى الذى تقوم به مصر فى ملف المصالحة الفلسطينية والعلاقة مع حماس وبالذات فى ما يتعلق بالتصورات الأخيرة للإدارة الأمريكية حول اعتبار الأفكار المطروحة حول «غزة أولا» بابا خلفيا لطرح صفقة القرن، وهو ما يزكيه أنباء أخيرة فى وسائل الإعلام الإسرائيلية حول إبلاغ رئيس الوزراء الصهيونى بنيامين نتنياهو لعدد من وزراء حكومته أن هناك مبادرة كبيرة تتعلق بغزة أوشكت على الانتهاء بدعم من مصر والأمم المتحدة.
ويضاف إلى ذلك كله ما تردد مؤخرا من تقارير صحفية وإعلامية حول سعى إدارة ترامب لتجديد النقاش حول فكرة تشكيل تحالف «ناتو عربى» وذلك فى سياق تصاعد التوتر المعلن بين أمريكا وإيران فى ظل التطورات الأخيرة بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووى، واستمرار سعى ترامب لانسحاب أمريكا من الملفات المشتعلة فى المنطقة وتحميل دول المنطقة أعباء الصراعات القائمة فيها، وفى هذا السياق يأتى حديث عدد من المسؤولين الأمريكيين مؤخرا عن تجديد التفكير فى تلك الخطة التى تشمل تعزيز التعاون الأمريكى مع الدول الشريكة فى هذا التحالف فى ما يتعلق بالدفاع الصاروخى والتدريب العسكرى ومكافحة الإرهاب ودعم العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الإقليمية، وهى الخطة التى قد تتضح معالمها ومواقف الأطراف المقترحة للمشاركة فيها والتى تشمل دول الخليج ومصر والأردن، مع شهر أكتوبر المقبل فى حال انعقاد القمة الأمريكية الخليجية التى تفكر الإدارة الأمريكية فى عقدها لحلحلة الخلاف الخليجى العربى مع قطر، كمدخل لدراسة وبحث الشروع فى خطة الناتو العربى.
فى ظل ذلك كله يبدو واضحا أن قرار حجب جزء من المساعدات العسكرية لم يكن فى حقيقته تعبيرا عن موقف أمريكى جاد من ملف الحريات والديمقراطية فى مصر، كما لم يأتِ التراجع عنه بسبب تحسن أو تقدم فى ذلك الملف، بل فى كلا الحالتين لم يكن الأمر سوى استخدام لسياسة العصا والجزرة التى تبحث بها أمريكا عن تحقيق مصالحها وفرض رؤيتها والضغط على مصر للاستجابة لبعض المطالب والمواقف، وسواء كان ذلك قد تحقق بالحجب أو سوف يتحقق برفعه، فإن المؤكد أن الإدارة الأمريكية الحالية بالذات هى أبعد ما يكون عن دعم الديمقراطية والحريات فى مصر أو غيرها، وهو موقف لا يبدو فقط متسقا مع السياسات الأمريكية عموما التى تستخدم ذلك الملف فقط من باب الضغط على أنظمة وحكومات الدول الأخرى، بل هو كذلك يأتى تأكيدا لأن ملف الحريات والديمقراطية ليس على الإطلاق من بين أولويات هذه الإدارة اليمينية المتطرفة التى تمثل واحدة من أسوأ الإدارات الأمريكية على الإطلاق.
ورغم أن كاتب هذه السطور لم يكن يوما ممن يعتبرون المساعدات الأمريكية لمصر سواء الاقتصادية أو العسكرية أمرا إيجابيا بل ممن يعتقدون أن فوائدها لأمريكا وسياساتها أكبر بكثير من استفادة مصر منها، كما أن الرهان على الضغوط الأمريكية أو غيرها لتحسين سجل الأنظمة الحاكمة فى الحريات والديمقراطية لم يكن يوما رهانا فعالا ومؤثرا إلا بقدر ما تتوافر شروط موضوعية تتعلق بالأوضاع الداخلية والتوازنات داخل مصر نفسها.. فإن هذه المواقف الأخيرة وتطوراتها قد تكشف بدرجة أو أخرى عن مدى زيف آمال البعض على أن تأتى الديمقراطية بفضل أى ضغوط خارجية فى ظل الأوضاع الحالية سواء داخليا أو إقليميا أو حتى على مستوى مواقف ورؤى الإدارة الأمريكية الحالية وغيرها من الحكومات الأوروبية، والأهم أنها سوف تكشف خلال الشهور المقبلة عن مدى التطور الذى ستسفر عنه الخطوة الأمريكية الأخيرة فى مدى قدرة إدارة ترامب على الاستفادة منها فى ما يتعلق بتصوراتها للدور المصرى فى الملفات المختلفة بالمنطقة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات