.

قصة رجل الأعمال المتحول اللص دائمًا!

Foto

وفى روايته «تلال الأكاسيا» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يؤكد الروائى هشام الخشن على «لا معنى» الحياة دون ذاكرة وتاريخ شخصى لكل منا


فى حواره مع يحيى، بطل «رسائل البحر»، فسر قابيل له لماذا لا يضرب أحدًا رغم أنه يعمل حارسًا شخصيًّا: «المهم نظرة الشاب اللى مات ده كانت عينه كلها لوم وخوف، كأنه عاوز يقولى هى اللعبة قلبت بجد كده ليه، إحنا متفقناش على كده، إنت ليه عملت كده؟».

ورغم أنه يعانى الأمرّين من تاريخه غير الراضى عنه، فإنه يقفز هاربًا من فوق منضدة الجراحة، خوفًا من فقدان ذاكرته «لو عملت العملية وشُفتك مش هعرفك، مش هعرف حد، مش هبقى أنا، هيبقى واحد تانى اتولد من جديد بس مش أنا، قابيل اللى عارفينه أنا وإنت هيموت، حتى لو عاش بعد العملية، برضه هيموت، هيبقى حد تانى بنفس الشكل ونفس الجسم، بس من غير ذكريات».

قابيل ربط كينونته كشخص حى بذاكرته التى تراكمت طوال عمره، بسيئها وحسنها، بفرحها وحزنها، بملائكيتها وشيطنتها، تعذبه أجزاء منها لكنه يتعايش معها، رافضًا التخلّى عنها، ولا يقايضها بالحياة نفسها، يهرب للموت مقابل أن لا تنتزع منه ذاكرته/ كينونته/ ذاته.

وفى روايته «تلال الأكاسيا» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يؤكد الروائى هشام الخشن على «لا معنى» الحياة دون ذاكرة وتاريخ شخصى لكل منا، فأى طمأنينة فى العيش دون ذكريات، دون زاد نحمله مؤنة لهدأة العمر القادم! وأى عالم ذاك الذى قد يعيشه مريض «الديمنتيا»، حينما يرتد كطفل لم يبلغ من العمر شهورًا، وعليه أن يتعلم كل مقوّمات العيش وطريقته، كيف يأكل حتى لا يموت جوعًا؟ كيف يقى جسده بملبس؟ مريض الديمنتيا الأشبه برجل الكهف الأول الذى وجد نفسه فجأة أمام وحش الطبيعة دون أى وسيلة لترويضه، مع الفارق أنه بالتجربة والخطأ، بالملاحظة والربط بين الأسباب والمسببات، استطاع أن يخرج من كهفه ويبدأ فى ارتقاء أول سلم التطور.

ومن خلال التقاطعات السردية وانسيال الذاكرة، نرى كيف أن رجل الأعمال فاحش الثراء، الذى بدأ حياته عضوًا فى لجنة جرد ممتلكات الإقطاعيين، ومع التحولات السياسية فى عصر الانفتاح، يصبح مالكًا لإحدى الشركات التى تؤسسها الدولة من الباطن، بعدما تخلى عن حبّه الأول والأخير لسارة، ابنة الأسرة الإقطاعية، ويتزوج من «ماجدة» سليلة الإقطاعية الجديدة. يهيمن الزمن النفسى فى «تلال الأكاسيا» على نحو يكاد لا ينفك عنها متلقوها، فالشخوص تعيش الوقت بتأثيره السيكولوجى عبر معاناة لا تجد لها نهاية. إنها فى وسط أرجوحة طرفاها مبعث قلق: طرف ارتباطها الصميمى بالماضى الأفل، فيوغل فيه ليخلق حكايات وشخوصًا لا أصل لهم إلا فى الذاكرة؛ مثل الحفيدة «ناسى» والتى أوهمنا الكاتب فى البداية أنها طرف أصيل فى تلقى السرد المباشر، والطرف الآخر الواقع المؤلم البائس الذى آل إليه ذاك الثرى وعنفوانه وجبروته، الذى زيّن له أن بمقدوره شراء أى شىء وأى شخص بالمال، سطوته تلك التى كان يختبرها بلقائه الأسبوعى، مع سيارته التى ما كان يسمح لأحد غيره بقيادتها، عتوّه الذى تحول إلى ضعف وهشاشة، ومصير ملتبس غامض لا يعرف إلى ماذا سينتهى.     


ترى الزمن النفسى متغلغلاً فى الذات، حبيس تلك الذاكرة المراوغة ما بين الاشتعال حتى تدرك أدق التفاصيل، وما بين التبدد والزوال، وإن كانت ذاكرة انتقائية تستدعيها اللحظات الفارهة بالحب، أو تقصيها كمركز للوجع. وتتجلى تلك الرؤية فى تعظيمها من خلال ذلك التساؤل الشعرى: أى طمأنينة فى العيش دون ذاكرة.


وضع الخشن يده برهافة شديدة من خلال السرد السلس، نكأ بعض المسكوت عنه فى المجتمعات الشرقية، فالأم أشارت على سامى بأن تجهض صديقته حملها، فهو رجل لا يعيبه شىء، وحتى عندما أراد والده أن يتزوج من «ليزا» كان فقط لتجنُّب الفضيحة ودفعها بعيدًا، ولم يستطع أن يتفهم منطقها فى شرعية علاقتها بابنه، فالجميع يعرف أنهما يعيشان سويا فى علاقة لا ينقصها سوى وثيقة رسمية تثبت ذلك الزواج، فى حين أنه كان من التفهم والعدالة حينما قسّم ميراثه بالتساوى بين نور وسامى.. السرد الموازى الذى لجأ إليه الخشن فى شكل تقاطعات بين انسيال ذاكرة البطل، وبين المعاش، أضفى على الرواية حيوية تحتاج ليقظة من المتلقى حتى لا يقع فى شرَكها.  

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات