الموهوبون فى حلبة المصارعة

Foto


نجح برنامج يسعى لاكتشاف الموهوبين فى كل المجالات نجاحًا كبيرًا حتى وصل عدد المشاهدين لبعض حلقاته إلى عشرات الملايين. نجده فى الولايات المتحدة الأمريكية تحت اسم «America's Got Talent»، وفى بريطانيا «Britain's Got talent»، وهكذا فى العديد من بلدان العالم. تتلخص فكرته فى المنافسة بين متقدمين يرون أن لديهم موهبة ما، أمام لجنة صغيرة مكونة من ثلاثة أو أربعة أشخاص يشكلون ما يمكن أن نطلق عليه قضاة محكمة، ترفض هذه اللجنة أحد المتقدمين، وأحيانًا تتهكم عليه، وتقبل آخر، للتدرج فى المنافسة، حتى ينجح فى النهاية واحد فقط فى الحصول على لقب موهبة العام. لم تخرج فكرة هذا البرنامج عن السائد والمطروح فى سوق نخاسة البشرية. محكمة تقيِّم وتشترى مَن تشترى وتلفظ مَن تلفظ. تنافس عنيف بين المتقدمين. صعود القلة وهبوط الأغلبية. ثم فى النهاية بطل متوج يصعد سلم المجد المزيف. نحن هنا أمام برنامج تشويقى، فمن ناحية يهدف إلى إمتاع الجمهور بأصحاب المواهب، ومن ناحية أخرى يقدم هذا التشويق القائم على انتظار مَن سوف يفوز وينتصر ويتوَّج ملكًا ليكون الأفضل والأول و«الأفعَل» ويحصل (فى الولايات المتحدة؛ على سبيل المثال) على مليون دولار. تشغل الجزرة أمام رأس الحمار مكانة كبيرة على مدار حلقات البرنامج فيسأل أحد أعضاء اللجنة صاحب الموهبة عن ما سوف يفعله بالمليون دولار إذا كان الفائز. البرنامج لطيف بالفعل ولكنه يجعلنا نتساءل: كيف يمكن لثلاثة أشخاص أن يطلقوا أحكامًا فى كل مجالات الفنون والعروض التى تقدم أمام جمهور؟ من أين لهم المعرفة بين فنون الغناء المختلفة والرقص بأنواعه وعروض السحر وغيرها مما يقدمه مَن يتقدم فى هذا البرنامج؟ كيف يمكن المقارنة بين مَن يغنى غناءً أوبراليًّا ومَن يقدم عرضًا تمثيليًّا ضاحكًا؟ كيف يمكن المقارنة بين أطفال وصبية وبالغين؟ هل المقارنة ممكنة فى الأصل بين مَن يقومون بنفس النشاط؟ هل يمكن أن تقارن بين عبد العزيز محمود وكارم محمود؟ فكل موهبة حقيقية لها مذاق خاص ولا يمكن مقارنتها بغيرها. جميل أن نخلق مساحات ومنابر ليصل صوت مَن يتقدم إلى أكبر عدد من البشر. لكن تحول الأمر كالعادة إلى سلعة رخيصة لجذب المعلنين، وتحول الموهوبون إلى مصارعين حتى الموت فى حلبة «جلاديتور» دامية، هدفها رى ظمأ المشاهدين. ألم يكن أجدر أن نقدم هؤلاء الموهوبين ونقدم لهم وللمشاهدين نقدًا عميقًا من متخصصين حقيقيين فى كل فن؟ ألم يحِن الوقت لنقد مفهوم المنافسة والمقارنة، وإعادة النظر فى معايير التقييم؟ أن ندرك أنه ليس هناك الأفضل وإنما مواهب عديدة تعيش فى حالة تناغم؟ إنه السم فى العسل نتجرعه دائمًا راضين.

قامت مؤسسة آنا ليند فى عام 2010 بالاتفاق مع مركز استطلاعات الرأى «جالوب أوروبا» ببحث ميدانى لدراسة التفاعل بين الثقافات فى منطقة الأورومتوسطى. صدر التقرير فى العام نفسه. قامت الدراسة باختيار عينة من ألف شخص ممثلة للمجتمع وطرحت عليهم العديد من الأسئلة، كان من ضمنها سؤال لأولياء أمور تلاميذ فى المرحلة المدرسية وهذا نصه: يقوم الآباء بالتشديد على عدد من القيم عند تربية أبنائهم، وبفرض أننا قمنا بتحديد ست قيم فقط وهى: 1- الفضول. 2- الطاعة. 3- التربية الدينية. 4- الاستقلالية. 5- احترام الثقافات الأخرى. 6- التكافل العائلى. أود معرفة أى من الست قيم تعتبرها أكثر أهمية؟ ذكر على سبيل المثال 48% من المشاركين من السويد أن الفضول هى القيمة الأولى التى يريدون غرسها فى أطفالهم، ومن إنجلترا 37% اختاروا الفضول، ومن فرنسا 36%. أما المشاركون من مصر فنسبة من اختار قيمة الفضول كانوا واحدًا فى المئة فقط. أما الأغلبية من المصريين فقد اختاروا التربية الدينية والطاعة كقيمة أولى يريدون لأبنائهم اكتسابها من العملية التعليمية. وفى عام 2013 أعادت مؤسسة آنا ليند دراسة التفاعل بين الثقافات فى منطقة الأورومتوسطى. تحسنت قليلا نسبة من اعتبر أن الفضول هى القيمة الأولى للتعليم، ولكن ظلت النسبة منخفضة جدًّا. يتصور إذن أغلبية المصريين أن التربية الدينية والطاعة هى القيم إلى يجب على التلاميذ تعلمها. وهى القيم التى كان الشيخ فى كُتّاب القرية يغرسها بالعصا فى نفوس من يذهب طواعية إليه. وعلى الجانب الآخر من العملة، تتلخص العملية التعليمية من وجهة نظر الإدارة التعليمية والمفتشين والمدرسين والنظار فى تلقين التلميذ كمية من المعلومات والتأكد أنهم قد حفظوها. وفى هذا يركزون هم أيضا على قيمة الطاعة، كما يركزون على التربية الدينية الموجودة فى معظم المواد التى يتم تلقينها للتلاميذ. وكما يقول المثل «الله يهنى سعيد بسعيدة».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات