.

صرخة الشعب الفرنسى المخنوق

Foto

يميل فورنييه لرؤية الجانب الإيجابى من تجربته ويجنح إلى السخرية من ذاته، محاولا أن لا يسقط فى فخ القتامة


تعتمد رواية جون لوى فارنييه على تجربة الكاتب الإنسانية كونه أبا لطفلين معاقين مسؤول عن رعايتهما، الطفلان هما ماثيو وتوماس، والسؤال «إلى أين نذهب يا بابا» هو السؤال الذى يردده ماثيو طوال الوقت، وبلا هوادة وهو السؤال الوحيد الذى يستطيع نطقه، يجيب الأب بمرارة سنسير فى الاتجاه السريع عكس الاتجاه، نذهب إلى ألاسكا، نداعب الدببة وسنجعلها تنهشنا، سنذهب إلى حيث يوجد عيش الغراب، سنجمع فطر الأمانيت ونعمل منه أومليتًا، سنذهب إلى حمام السباحة وسنقفز من الشرفة العالية، فى حمام السباحة وهو خال من الماء.

سنذهب للتنزه فى الرمال المتحركة، ندع أنفسنا نغوص فى الرمل، سنذهب إلى الجحيم».


 يميل فورنييه لرؤية الجانب الإيجابى من تجربته ويجنح إلى السخرية من ذاته، محاولا أن لا يسقط فى فخ القتامة، فيقول: «بفضلكما كنت متميزًا عن أباء الأطفال الطبيعيين، لم أكن مشغولا بتعليمكما ولا بتوجيهكما المهنى، لم نتعرض للتردد فى الاختيار بين التوجه العلمى والأدبى، لم نكن لننشغل فيما ستفعلانه فيما بعد، فقد علمنا سريعا أنكما لن تفعلا شيئًا..».


يشعر فورنييه بالحسد من أطفال الأباء الطبيعيين، ولا يخفى ذلك فى سرده، يطرح آلامه على القارئ دون السقوط فى فخ البكائية، فيقول: «كانت لى نظرة من مسابقات أجمل بيبى، فكنت لا أفهم لماذا نكافئ من لديهم أطفال جُمال كما لو كان ذلك مسؤوليتهم، لماذا إذن لا نعاقب من لديه أطفال معوقون، ما زلت إذكر هؤلاء الأمهات المتغطرسات الواثقات من أنفسهن، وهن يلوحن بتحفتهن أمام المحكمين».
بعد سنوات رزق فورنييه -وسط مشاعر القلق والتردد- بطفلة ثالثة لكنها سليمة ومعافاة، لا تظهر الزوجة كضلع رئيسى فى السرد ولا يعتمد عليها تطوره، بل سرعان ما تغادر الأسرة كما تغادر صفحات الرواية، الزوجة لا تحتمل معاناة رعاية الطفلين فيقول فورنييه: «زوجتى التى حملتها فوق طاقتها ضاقت ذرعا وسرعان ما غادرتنى، وذهبت لتضحك فى مكان آخر، كان ذلك جيدا لى أستحق ما حدث».


لا نعرف لماذا التمس فورنييه العذر لها، ولا لماذا اعتبر نفسه مدانًا ويستحق الهجر، ويعتمد فورنييه على المربية «جوزيه» لتساعده فى رعاية الطفلين ويخاف أن تمل من تلك المهمة فتقتلهما ذات يوم، يرحل ماثيو فى النهاية ويبقى توماس الذى يصبح يافعًا. لكن بعقل من قش كما يصفه، توماس عاجز عن ممارسة الحياة ولا حقوقه السياسية، كمواطن فهو لا يستطيع الانتخاب مثلا يقول فورنييه فى أكثر الأجزاء ألمًا: «من حق الطفل المعوق أن ينتخب، توماس بالغ وبوسعه الانتخاب، كلى ثقة أنه فكر جيدًا، وازن بين الـ«مع» والـ«ضد»، حلل بدقة برنامجهما الانتخابى، كفاءة نظامهما الاقتصادى، وأحصى أعوان كل منهما وما يزال غير قادر على الاختيار بينهما، الكلب سنوبى أم القط مينو».


تتراوح روح السرد بين القتامة والسخرية، و«إلى أين نذهب يا بابا» هى رواية الكتابة عن الأفق المسدود والصراخ ضد الدولة المتسببة بإهمالها الطبى فى زيادة المعاقين وذويهم، واستجداء الرعاية لهم، وهو نفس السؤال الذى طرحه المطرب الفرنسى ستروماييه فى أغنيته ذات نفس الاسم «إلى أين نذهب يا بابا» أين نذهب هى صرخة فى المجتمع الفرنسى المخنوق بمعاناة أفراده وبأفق مسدود ساسيا وإنسانيًّا.


يذكر أن أجنيس والدة الطفلين كتبت كتابا للرد على الرواية بعنوان «إلى أين نذهب يا ماما» لكنها غيّرته إلى «والدة ماثيو وتوماس» بعد نزاع مع فورنييه وناشره.


الرواية حاصلة على جائزة الفيمينا 2008 وصدرت عن المركز القومى للترجمة ترجمة أيمن عبد الهادى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات