.

نمحو الإرهابيين بالعملية العسكرية.. لكن ماذا عن الأفكار؟

Foto

لماذا الآن وليس قبل ذلك؟ هل سينتهى الإرهاب بشكل مطلق مع نهاية العملية «سيناء 2018»؟ لماذا تحتاج الدولة إلى مؤتمرات صحفية مواكبة لهذه العمليات؟


ليست العملية الأولى ولا أعتقد أنها الأخيرة، فقد كانت هناك عمليتا «نسر 1» و«نسر 2» ومعركة «حق الشهيد» و«المعركة الشاملة 2018»، نتحدث عن المعارك فى سيناء فقط.

 

نستطيع تفهُّم الرسائل التى أرادت السلطة إرسالها إلى أطراف عدة فى الداخل والخارج، للقيام بهذه العملية فى هذا الوقت.

 

الرسالة الأولى: إلى فلول داعش المنتهية إقامتهم فى سوريا والعراق، والتى تقول التقارير إن إحدى محطاتهم هى سيناء أو مصر بشكل عام، سواء أكانت حدودها الشرقية أم الغربية، فالرسالة تقول إن إقامتكم فى مصر لن تكون هانئة وترسل إليهم تحذيرًا بالقدوم إلى مصر، بعد أن صرَّح أردوغان بشكل علنى بذهاب مجموعات من «داعش» إلى مصر، ولا نعرف إن كان هناك مَن سهَّل لهم هذا المرور أم لا، وقالت روسيا كلامًا مطابقًا لهذا الكلام.

 

الرسالة الثانية: إلى الغرب الذى يوجِّه اتهامات إلى النظام المصرى بشكل عام ولحقوق الإنسان بشكل خاص، فإنه يرسل رسائل بأن أمامه معركة مهمة مع الإرهاب وأن استقرار مصر من استقرار المنطقة وأنه لا مجال للحديث عن أمور أخرى فى هذا التوقيت.

 

الرسالة الثالثة: إلى الداخل المصرى، فى ظل حالة من الجدل السياسى أو فلنقُل الاحتراب السياسى مع اقتراب موعد الانتخابات، فإن هذه المعركة تقول إن هناك أمورًا مشتركة لم تُنجز بعد، لها أهميتها ولا يجب نسيانها، وأننا لابد أن نصطف لمواجهتها، وأنها تستدعى تأجيل خلافاتنا إلى وقت لاحق.

 

الرسالة الرابعة: موجهة إلى الدعايات المضادة للمؤسسة العسكرية، والتى تتحدث عن أن الجيش انشغل بمعارك التنمية عن المعارك الحقيقية، وتقول الرسالة إن القوات المسلحة قادرة على خوض المعارك على التوازى، معركة التنمية من جهة ومعركة الإرهاب وحماية الأمن القومى من جهة أخرى.

 

الرسالة الخامسة: موجهة إلى الجيش نفسه، وأنه فى حالة حرب ممتدة مع الإرهاب، ولا يجب أن يهتم بالمعارك السياسية الموجودة فى الداخل ولا ينشغل بها.

 

هذه هى الرسائل التى تريد أن ترسلها هذه العملية بالتحديد فى هذا الوقت الحرج، ولكن ستظل هناك أسئلة مشروعة لجمهور المواطنين على ألسنة الصحفيين وعلى منصات المواقع العالمية، لماذا الآن وليس قبل ذلك، فالإرهاب بدأ منذ عملية رفح الأولى سنة 2012، وتصاعد بعدها فى الثلاثين من يونيو 2013 بشكل غير مسبوق؟ وإلى أى مدى ستمتد هذه العمليات؟ وإلى أية نتائج تنتوى أن تصل بالفعل؟ وهل كان من الضرورى إغلاق المدارس والجامعات والمعاهد الأزهرية بما يعنى ربما شلّ الحياة تمامًا فى هذه المنطقة؟

 

القرارات السياسية كما هى المنتجات الصناعية تحتاج إلى التسويق، القرارت السياسية تحتاج إلى التسويق السياسى، ويحتاج النظام السياسى إلى مَن يسوّق له القرارات السياسية. كان لعبد الناصر، محمد حسنين هيكل وآخرون، وعمد مَن جاء بعده لنفس الأسلوب، والمسوِّق السياسى يجب أن يكون لديه بعض المعلومات ويبنى عليها فكرته التسويقية، فصانع تتر المسلسل يجب عليه أن يقرأ السيناريو بالكامل أو على الأقل يطَّلع على محاوره الأساسية وملامحه العامة، حتى يصوغ التتر بشكل جيد يعبّر عن الحالة.

 

الجرائد القومية لها محررون عسكريون كان يجب أن يكونوا موجودين بشكل دائم يقدمون عرضهم للمشهد بشكل يدعم الموقف العام ويوضح تطوراته، البيانات العسكرية بالتأكيد مهمة ولكنها جافة ومقتضبة، وستظل الحاجة إلى المعلومات قائمة أمام المواطن المصرى والمهتمين بالشأن المصرى بالخارج، إن لم يُملأ هذا الفضول بمعلومات تصب فى صالح الوطن المصرى، فإن هذا الفراغ سيشغله أى طرف، وستملأ المصاطب تحليلات كثيرة من مدَّعى العلم ببواطن الأمور.

 

لابد أن نعلم أيضًا أن هذه موجة من موجات الإرهاب ليست الأولى ولن تكون الأخيرة على مدى تسعة عقود منذ 1928 حتى الآن، لا يمر عقد من الزمن إلا وتكون فيه موجة إرهابية تمتد لسنوات وتنتهى، ثم تأتى بعدها موجة لاحقة، ولذلك فنحن نؤكد للمرة الألف أننا نواجه إرهابيين ولا نواجه إرهابًا، نحن نحاول القضاء على موجة آنية، ولا توجد استراتيجية عامة.

 

إذا تصورنا أن الطائرات والدبابات ستمحو الأفكار فإننا مخطؤون، ولكنها محاولة لإخضاع وتقليص ومحاصرة الموجة الحالية، لدفعها لقبول تسوية آنية للتخلِّى عن السلاح مقابل محاكمات شفافة، وظروف سجن محسَّنة والإفراج عن الذين لم يتورطوا فى الدماء تباعًا وتخفيف الأحكام لاحقًا، هذا ما فعلته مصر فى موجة التسعينيات، وهذا ما تبعته الجزائر بعد ذلك بعد عشريتها السوداء.

 

محاولة الادعاء أننا ذاهبون إلى الإفناء الكامل لا يجب ترويجها، لأنه لا يجب أن نخسر المصداقية التى تأثرت كثيرًا بوعود سابقة عن الإرهاب الذى يرقص رقصة الذبيح، أو أن الإرهاب انتهى تمامًا.

 

تحتاج الدولة ومؤسساتها العسكرية إلى مؤتمرات صحفية مرافقة لهذه العملية ترد على أسئلة الصحفيين وتتفاعل معها، نحن لا نعيش وحدنا فى هذا العالم، وتجاهل التفاعل الدائم مع فضول الإعلام سيجعل التحليلات المختلفة المشككة والمناوئة تكون لها الغلبة، لا تضيع فرصة أن العالم كله يتابعك ويريد أن يسمع منك، لا تجعله يسمع عنك، خصوصًا أن القصف المناوئ قوى ومرتفع الصوت، فإن لم نقدم حججًا مضادة، فإن الأصوات الأخرى ستكتسب شيوعًا.

 

يجب المشاركة السياسية مع الأطراف الأخرى، لا تستحق مصر أن تبقى قواها السياسية الفاعلة فى جزر منعزلة فى معادلة صفرية للوطن بالكامل، لابد من قبول تباينات فى الآراء على أرضية وطنية، فالمعارضة السياسية أمر مشروع طبقًا للدستور، والتيار المدنى الذى أعلن مقاطعته التصويت هو تيار وطنى، لا يجب تهميشه وإطلاق فتاوى التأثيم من جهة ومنصات التخوين من جهة أخرى، ومسلسلات النهش الإعلامى اليومى نتائجها سلبية على المشهد العام، وتحقيق التوافق العام على القضايا المشتركة هو زرعة تحتاج إلى الرعاية وتوفير بيئة صالحة حتى تنمو.

 

النجاح السياسى مقدمة ومؤسس للنجاح فى المجالات الأخرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات