.

رحلة الصعود إلى جبل ناراياما

Foto

الجدير بالذكر أن شخصية «أو رن» ملأت أركان الرواية بوجودها البسيط الحى، الذى يتدفق حبًّا لكل ما فى القرية من بشر وحيوان ونبات، ويفيض تواضعا وتقبلا ورضا بمصيرها


«أو رن»، عجوز تقترب من السبعين، مُحبّة للبشر. عاشت فى قرية صغيرة، بدائية، تقع فى منطقة نائية من اليابان، معزولة، وسط الجبال، شديدة الفقر، يندر فيها الغذاء، فيعتمد سكانها على الذرة البيضاء والصفراء والبطاطا.


أما الأرز فإنهم يطلقون عليه «السيد حاجى أبيض».

وقد تواءم الأهالى مع تلك الظروف الصعبة، فعاشوا وفق تقاليد وأساطير وقوانين خاصة، منها حتمية الحج إلى جبل «ناراياما» المقدّس لأى عجوز لم يدركه الموت، حتى يوفر الطعام للآخرين، وذلك فى موسم الشتاء، بعد اجتياز سبعة وديان وثلاثة مستنقعات، فإذا بدأ الثلج بالنزول، عندئذ يمكن القول إنه سعيد الحظ!

 
كانت «أو رن» رغم نشاطها ومهاراتها، تعى أنها قد قاربت على السبعين وهى مؤمنة بحتمية الرحيل، لكن شغلتها مشكلة ابنها الوحيد «تامى» الذى ماتت زوجته العام الماضى وتركت له ولدين، ولابد أن تزوّجه ليرعاهما. كما عانت كثيرا من صحتها الجيدة، ووجدت أن أسنانها لا تزال قوية صامدة. وهو ما يعتبر عارًا تتهكم عليه القرية، فتمكنت فعلا من كسر سنتين بالطرْق عليهما بحجَر.


الجدير بالذكر أن شخصية «أو رن» ملأت أركان الرواية بوجودها البسيط الحى، الذى يتدفق حبًّا لكل ما فى القرية من بشر وحيوان ونبات، ويفيض تواضعا وتقبلا ورضا بمصيرها، مقارنة بشخصية جار عجوز فى السبعين يُدعى «تاما- يان»، لم يهتم بالاستعداد ليوم الرحيل، وقد أشيع أنه سيذهب إلى الجبل فى الربيع قبل الماضى، ولم يذهب، وفهمت «أو رن» حقيقة وضعه بأنه يرزح تحت تأثير بُخله.


وفى الليلة الموعودة التى قررت «أو رن» الرحيل فيها إلى الجبل آملةً أن تثلج السماء، كان «تاما- يان» قد قيّده ابنه بحبل حتى يجبره على الرحيل فى الصباح التالى، لكنه قطع الحبل بأسنانه وهرب من ابنه، فقطع الصلة، و«الصلة»، كما أوضح المترجم، هى مصطلح بوذى يشير إلى العلاقة المبنية على الأفعال السابقة، والتى تربط كائنين، أحدهما بالآخر، وهى تعنى أنه لعدم التزامه بالسلوك المنتظر، سيقطع الصلات ويخرج على كل القواعد فيلفظه الإله والجماعة اللذان لا يوجد خارجهما أى خلاص.


وفى الصباح الباكر، فتحت «أو رن» مصراع الشرفة الخلفية، وصعدت فوق لوح كان ابنها «تابى» يحمله معلقا على ظهره، بادئةً الرحلة عبر الدروب والجبال إلى جبل «ناراياما».

وعندما وصلا أخيرا، رأيا فوق الجبل هياكل عظمية لرجال ونساء سبق أن قاموا برحلتهم واستقروا هناك منذ زمن بعيد، ففكر «تابى» فى أنه لم يعد ثمة مجال للكلام. وما أن نزلت «أو رن» حتى فرشت حصير قصب فى ظل صخرة، وجلست عليه، وأرادت أن تربط صرّة صغيرة فى اللوح الذى حمله تابى على ظهره، مؤثرة إياه بها، فأعادها غاضبًا. وحين غادرها فكر: «لقد بدأت تظهر على وجهها علامات امرأة تموت».

وبعد عشر خطوات، رفع اللوح، الذى ما عادت «أو رن» تجلس عليه، للسماء وانخرط فى البكاء، لكنه رأى وسط أشجار السنديان غبارًا أبيض يتراقص.

إنه «ثلج». ها قد حدث ما تمنته «أو رن» لتسعد بحظها البديع.  


وفى طريق العودة، وسط الوديان السبعة، لمح ابن الجار العجوز وهو يحاول أن يتخلص من أبيه «تاما- يان» بإسقاط اللوح المعلق به إلى ظهره.

وحين هوى العجوز إلى القاع حوّمت غربان سوداء فى الفضاء متتبعة فريستها.


كانت تلك رواية «ناراياما» لليابانى شيتشيرو فوكازاوا، التى ترجمها محمد على اليوسفى، وصدرت عن دار التنوير.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات