.

رجل دين شيعى يخلع عمامته ويعيش مع زوجة أخيه

Foto

هل هو موت والده الذى حرره؟ هل هى إصابته بمرض السرطان وخوفه على حياته؟ أم ملله من البيت ومن زوجته ومن ذهابه إلى الجامع؟ أم رغبته الجامحة فى امرأة أخيه المتوفى؟


قرّر أن يخلع عنه جبته وعمامته، هكذا من دون أن يعرف كيف سيكون بعد ذلك وماذا سيفعل.

هل هو موت والده الذى حرره؟ هل هى إصابته بمرض السرطان وخوفه على حياته؟ أم ملله من البيت ومن زوجته ومن ذهابه إلى الجامع؟ أم رغبته الجامحة فى امرأة أخيه المتوفى؟ تلك هى الأسئلة التى دارت فى عقل بطل رواية «لا طريق إلى الجنة»، للكاتب اللبنانى حسن داوود، الصادرة عن دار الساقى والحائزة على جائزة نجيب محفوظ لعام 2015، التى تنظمها الجامعة الأمريكية فى القاهرة بالتزامن مع الذكرى 104 لميلاد الأديب العالمى.


تناول الرواية قصة رجل دين شيعى قرر أن يخلع عنه جبته وعمامته، لكنه لا يعرف إن كان يبدأ فعلاً حياة جديدة تتقاطع به حوادث كثيرة قلبت مسار حياته، فبطل الرواية شيخ تخرج فى «حوزات النجف»، معاقبًا بحياة لم يختَرها، والده الذى ورث رتبته فى السلك الدينى من أسلافٍ توارثوا الأمر، يجبر ابنه على إكمال السلالة، ويختار له ابنة أحد الشيوخ لتكون زوجة له بعد إنهاء دراسته فى العراق.

هكذا، يصبح إمامًا لجامع الضيعة الجنوبية، ومرجعًا لأحوال أهلها فى الزواج والطلاق والوفاة، ولكن هذا ليس كل شىء، إذ يبدو الزى الدينى مجرد قمة مرئية لحزمة كاملة غير مرئية من التفاصيل والوقائع التى تتحالف مع وظيفة الشيخ، وتنغص عليه حياته.

من الزوجة التى فرضت عليه، يرزق الشيخ بولدَين مصابَين بالبكم والصمم وفتاة طبيعية. العلاقة مع الزوجة نفسها تشكو من انقطاع وصمم آخر. الاثنان يفكران فى حياة مختلفة بينما يواصلان تحمل تربية الأولاد، والده الذى ينتظر موته فى أى لحظة مقيم عندهم فى البيت. كل تلك التفاصيل جعلت الشيخ بطل رواية «لا طريق إلى الجنة» يسعى إلى إقامة علاقة مع زوجة أخيه المتوفى.

علاقة تصبح متنفسه الوحيد فى الأيام المتشابهة والمضجرة التى يقضيها بين البيت والجامع القريب.


الرواية ترصد الانتقال من زمن الأب الشيخ الغضوب الذى كان مؤنبًا وحانقًا دائمًا، وساخطًا على أبناء قريته، وقاسى النبرة عليهم، وملحًّا على إطاعة أوامره بحكم موقعه الدينى المهيمن على نفوس القرويين.

إلى عصر الشيخ الشاب الذى يفقد شبابه، ويهمل جامعه الذى يؤم فيه المصلين، تاركًا إياه بيد شباب متدينين غرباء عن القرية، يملؤون فيه الفراغ الذى تركه، فى حين ينشغل هو فى ملاذات الحياة التى حرمتها منه عباءة الدين الذى ورثها له والده.

فبموت والده يتخلّص الابن من مكتبته ومخطوطاته بتقديمها هدية إلى الجامع الذى ينقطع عن إمامة المصلين فيه، وذلك من أجل أن يتخلَّص من عبء مرحلة سابقة، ومن ذاكرة تثقل وتضغط عليه، ومن ماضٍ يريد التحرر من وطأته.

وهو يريد أن يوارى حقبة تلاشت فى نظره بمفاهيمها وظروفها وأحكامها. وأن يطوى مرحلة من البطالة المقنعة، ومن الكسل، ومن الإحراج وازدواجية الذات، ومن استعراض معلومات دينية ليست ذات جدوى أمام مصلين لا يفقهونها. لينتقل إلى لحظة زمنية أخرى، يكتشف فيها معنى آخر للدين، وتحولاً فى فهمه ووظيفته: «لا أعرف إن كنت أستعد لأن أبدأ حياة جديدة، أو أننى أُنهى فقط ما سبق من حياتى». كأنه عاش حياته السابقة متنكرًا فى زى رجل الدين، ومحبوسًا داخل صورته فى أذهان الناس، إلا أنه لا ينجو من إدانة نفسه وهو يقرر خلع الجبة والعمامة. يدين كسله وضآلة طموحاته. يحسد شقيقه المتوفى لأنّه رفض أن يصبح رجل دين.

لقد كان ضحية أبيه وضحية تردده وجبنه أيضًا: «ليس ذهابى إلى النجف ما جعلنى مطيعًا ما كانوا يُملونه على، ذلك، على أى حال، ما كنت سأفعله حتى وإن لم أرتد عباءة ولم أكن رجل دين».

اعتراف يشعرنا بأن تخليه عن صورته كرجل دين، لن يكفل له حياة جديدة بالكامل، خصوصًا إذا ظلت هذه الحياة محكومة بزوجة لا يطيق وجودها، وولدين معاقين يمنعانه من الخفة التى يتوقع أن يحصل عليها، ومرضٍ خبيث يمكن أن يعاود الظهور.


تصل الرواية إلى مرحلة فاصلة فى حياة البطل بقراره أن يخلع عنه عباءته وعمامته. هكذا من دون أن يعرف كيف سيكون بعد ذلك وماذا سيفعل. خلع الملابس التى قال عنها: «بعد أن لبست العباءة والعمامة أصبحت أشعر أننى أستعير ثياب سواى، حتى إنى كنت أستغرب نفسى حين ينظر إلىَّ أحد ما على الطريق تلك النظرة التى تسبق وصوله لى وقوله السلام عليكم، يرانى أصغر مما يجب ولا أعرف إن كانت مشية رجل يؤم الناس فى صلاتهم».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات