الجيش فى سيناء.. إما النصر وإما النصر!

Foto

لماذا عملية سيناء 2018 لابد منها فى الوقت الحالى؟ وكيف تمثل انطلاقًا إلى مرحلة شاملة وغير تقليدية ضد الإرهاب؟ ما الرسائل التى أرادت القيادة المصرية توصيلها من خلال عملية سيناء 2018؟ ما أهم مسارات هذه العملية الشاملة؟ وكيف يتم تنفيذها؟ لماذا المواجهة الفكرية ضرورة للغاية جنبًا إلى جنب مع المواجهات العسكرية والأمنية؟


نستطيع أن نقول، بشىء من التأكيد، إن عملية سيناء 2018 الموسعة الشاملة، التى بدأتها القوات المسلحة بالتعاون مع الشرطة فى الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة الماضى التاسع من فبراير، كحلقة من حلقات مواجهة الدولة للتنظيمات الإرهابية، أمر لابد منه، وتحول كبير من رد الفعل إلى الفعل نفسه والاستباق الاستراتيجى لإجهاض ودحر العمليات الإرهابية؛ تنفيذا لتعليمات الرئيس السيسى لرئيس الأركان الجديد الفريق محمد فريد حجازى، بالقضاء على الإرهاب خلال ثلاثة أشهر!

 

إذن، فقد انطلقت الحرب من جديد على الإرهابيين فى سيناء وفى عدة مناطق أخرى فى أنحاء الجمهورية، خصوصا فى الدلتا والصحراء الغربية (الظهير الصحراوى غرب وادى النيل) ذلك أن عناصر حركتى «لواء الثورة» و«حسم» التابعتين للجان النوعية لجماعة الإخوان الإرهابية تتخذ من بعض محافظات الدلتا القريبة من سيناء أماكن تتمترس بها وتتخذها قواعد تنطلق منها لتنفيذ عملياتها الإرهابية؛ لذلك جاءت عملية سيناء 2018 تنفيذا لاستراتيجيات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة؛ بهدف القضاء على الإرهابيين والتنظيمات الإرهابية التى تستخدم كل أشكال الإرهاب منذ سقوط دولة الإخوان فى يونيو 2013، ثم إعلان ما يسمى «تنظيم بيت المقدس» فى سيناء مبايعته تنظيم «داعش» بعد نحو عام من سقوط الإخوان، الأمر الذى استدعى، مذاك، حدوث مواجهات متواصلة، وعمليات منظمة، بين كل من الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخبارية للدولة وبين التنظيمات الإرهابية التى بان أنها مدعومة، ماديا ولوجستيا واستخباراتيا وإعلاميا، من دول بعينها فى المنطقة تروم إسقاط الدولة المصرية، أجهزة وحكومة ومؤسسات وشعبا، نكاية فى إفشال حلم جماعة الإخوان الإرهابية باختطاف الوطن كله، وانضوائه تحت سيطرتهم بحجة إقامة «حكم إسلامى» يمهد -وفق أوهامهم الطوباوية المريضة- لإقامة «دولة الخلافة» ثم إقامة ما يطلقون عليه «أستاذية العالم»!

 

مشكلة الحرب على التنظيمات الإرهابية أنها ليست حربا تقليدية بالمعنى المفهوم؛ ففى الحروب التقليدية يكون الطرفان المتحاربان نظاميين ومعروفين بإمكانياتهما وعتادهما، أما الحرب الحالية التى تواجهها مصر فهى غير نمطية وغير تقليدية بالمرة؛ ذلك أن المواجهة فيها مع عصائب إرهابية مسلحة ومدعومة من أجهزة استخبارات مختلفة ودول وكيانات تقدم لها مساعدات وخدمات لوجستية رهيبة تمكنها من مواصلة هجماتها وجبر ما يهدمها ويضعفها، ولعل هذا الأمر كان معروفا منذ البداية للقيادة السياسية والعسكرية فى مصر، ومن أجل ذلك كان تكوين ما يعرف باسم «قوات التدخل السريع»، التى تكونت فى بدايات عام 2014، وهى فى حد ذاتها بمثابة جيش متخصص فى التعامل مع الإرهابيين فقط، وكذا وحدات النخبة العسكرية التى تضطلع بمواجهة التنظيمات والعصائب الإرهابية المسلحة مواجهة خاطفة سريعة محدودة، وهذا فى حد ذاته تفكير عسكرى واستراتيجى ممتاز، فهو مساير للأوضاع الحالية تماما، ومقابل لما يحدث على أرض الواقع.

 

والآن، ها هى ذى القيادة السياسية/ العسكرية تنتقل من مرحلة المواجهة المحدودة ضيقة النطاق، من خلال قوات وحدات وعناصر التدخل السريع وقوات وحدات النخبة (888)، إلى مرحلة المواجهة الشاملة الموسعة، مع انطلاق عملية سيناء 2018، ومما يدل على كونها حربا شاملة وموسعة ما جاء فى البيان الثانى للقوات المسلحة الذى أكد اشتراك الأفرع الميدانية الرئيسة للقوات المسلحة فى تلك العملية، ومن ضمنها بالطبع القوات البحرية إلى جانب القوات الجوية والاستطلاع والصاعقة والمشاة وحرس الحدود؛ فلعلها المرة الأولى التى نسمع فيها تأكيدات بأن القوات البحرية الخاصة تشترك اشتراكا مباشرا فى الحرب على الإرهابيين والعصائب الإرهابية المسلحة وذلك لأمور؛ أولها حماية السواحل البحرية المصرية، كما فى أوقات الحرب تماما، وثانيها تأمين حقول الغاز المصرية -حسب إشارة البيان العسكرى يوم الجمعة الماضى- وثالثها منع دخول أى مساعدات ومعونات من أى نوع للعناصر الإرهابية، الأمر الذى يؤكد أن ما يحدث الآن كالحرب الشاملة التى يتم فيها استنفار وشحذ وتوجيه عناصر القوات المسلحة وأفرعها المختلفة.

 

لا أجد حرجا إذا ادعيت أن هذه العملية الشاملة فى أساسها ليست موجهة إلى العناصر والعصائب الإرهابية وحدها؛ فمما لا شك فيه أنها موجهة بالخصوص إلى النظام التركى، أقول النظام التركى لا الشعب التركى؛ فهذا النظام إخوانى الطابع كما هو معروف، ولا يستنكف عن مناصبة مصر العداء بعد سقوط الإخوان، أما الشعب التركى فهو لا يتحمل بالطبع أوزار سياسات سلطته، لذلك فإن عملية سيناء 2018 موجهة بالأساس إلى النظام التركى جنبا إلى جنب مع الإرهابيين، ولا أدل على ذلك من إشارة البيان الثانى للقوات المسلحة إلى مسألة تأمين خطوط الغاز المصرية بالبحر المتوسط، فمما هو معروف أن تركيا أعلنت صراحة، خلال الأيام القليلة الماضية التى سبقت انطلاق تلك العملية، على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو، أنها ستبدأ فى التنقيب عن الغاز فى المنطقة الخاضعة للسيادة المصرية شرق البحر المتوسط، والتى أفرزتها اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع قبرص عام 2013، وهذا الإعلان التركى بمثابة تصعيد، وإن يكن إعلاميا حتى هذه اللحظة، لكنه فى الوقت نفسه بمثابة إعلان حرب فى سبيل الصراع على الطاقة، وهو أمر التفتت إليه القيادة السياسية/ العسكرية المصرية جيدا، فكان الرد العملى عليه من خلال تبيان القوة المصرية «الغاشمة» ممثلة ومترجمة فى عملية سيناء 2018 الحالية، لذلك كانت إشارة البيان الثانى للقوات المسلحة إلى تأمين القوات البحرية حقول الغاز المصرى كرسالة عملية إلى النظام التركى مفادها أن القوات المسلحة المصرية قادرة على حماية مصر وأمنها وثرواتها، وأنها تملك من المقومات والكفاءات القتالية والاستراتيجية والعسكرية ما يؤهلها لمواجهة أى خطر أو استهداف من أى نوع، كما أن تلك العملية تخاطب الرأى العام المصرى والدولى لإثبات قدرة مصر ‪-وحدها‪- على مواجهة الإرهاب وداعميه دون حاجة إلى مساعدات ودعم من إسرائيل، بعد أن روجت جماعة الإخوان والقنوات التابعة لها فى تركيا وقطر دخول طائرات إسرائيلية مجال شبه جزيرة سيناء واستهداف بعض البؤر الإرهابية هنالك!

 

إن مسارات عملية سيناء 2018 يتحدد بناء على مجريات تنفيذ تلك العملية، ومدى نجاح الضربات وقوتها وشموليتها، ويبدو أن القيادة السياسية/ العسكرية تريد من تلك العملية تحقيق نتائج ذات أثر إيجابى يحدد نجاح المسارات النهائية لها، بحيث تكون تلك العملية ناجعة فى القضاء على بؤر التجمعات الإرهابية، وقطع أى إمدادات أو أى مساعدات تأتيها داخل سيناء، ولعل استخدام القنابل العنقودية والصواريخ قصيرة المدى يفسر اعتماد القيادة السياسية/ العسكرية على تحقيق تلك العملية أهدافا ناجحة فتضرب عصفورين بحجر واحد؛ أولهما تدمير بؤر الإرهابيين التى تضم ثكناتهم وعتادهم من أسلحة ثقيلة وصواريخ وعربات دفع رباعى حديثة، وثانيهما تبيان القوة «الغاشمة» للقوات المسلحة المصرية التى تنفذ، منفردة دون مساعدات أو أحلاف إقليمية أو دولية، عملية عسكرية شاملة وموسعة، ترهب المترصدين خارجيا بالدولة المصرية وفى الوقت نفسه تشل العصائب الإرهابية المسلحة وتفتح أبواب الأمل لتنمية سيناء وتطويرها على الأصعدة جميعها.

 

ولا عجب أن يأتى بيان جماعة الإخوان الإرهابية بما يشبه «الولولة!» على عملية سيناء 2018؛ فقد وصف بيانها الساقط المتهافت تلك العملية بأنها «مخطط شيطانى!» يأتى بهدف «إخلاء سيناء من أهلها!»؛ لتسليمها «لأعداء الأمة!»، بل إنه يدعو صراحة أهل سيناء بما يسميه «النضال من أجل أرضهم!»، وفى الحق فإن هذا البيان يأتى بالأساس كدليل بائن على ضلوع تلك الجماعة الإرهابية فى معظم العمليات الإرهابية طوال السنوات الماضية، بل هو دليل على أن تلك الجماعة الإرهابية هى مصدر الشر المطلق وهى مصدر الإرهاب والتخريب، فبيانهم هذا من فرط غبائهم يفضحهم ويكشف عورتهم تماما أمام الجميع، حتى ممن يتعاطفون معهم، ثم هو فى النهاية يؤكد أنهم مجرمون فى ماضيهم، مجرمون فى حاضرهم، مجرمون فى كل وقت.

 

وأخيرا، لا يبقى إلا أن نؤكد ما أكدناه نحن وغيرنا، طوال السنوات الثلاث الماضية على صفحات تلك الجريدة الغراء، وهو أن أى عمليات عسكرية، محدودة النطاق أو موسعة، لن تقضى بحال على الإرهاب، لأن مواجهة الإرهاب لا تتم من خلال «زر» مثلا، بل إنها تستلزم مواجهات شاملة على المستويات جميعها، عسكريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتعليميا، فلن يتم القضاء على الإرهاب إلا من خلال مواجهات فكرية وإصلاحية جنبا إلى جنب مع المواجهات العسكرية والأمنية، ما يلزم معه ضرورة الاهتمام بفتح المجال الثقافى وإتاحة الفرصة أمام المجددين والمصلحين والمثقفين والعلماء والفلاسفة لتحديث المجتمع وتطوير خطابه الدينى والتعليمى، وهو أمر نرجوه ونترقبه، فهو التحدى الأكبر أمامنا.

يا مسهل!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات