.

شباب مصر يبتكرون لكنهم ينتظرون تنفيذ ابتكاراتهم فى مصر

Foto

ما أهم التساؤلات والأمانى والآمال التى يثيرها فوز فريق طلاب كلية هندسة عين شمس بالمركز الأول فى مسابقة عالمية لتصنيع سيارات السباق؟


تحقيق فريق طلاب كلية الهندسة بجامعة عين شمس المركز الأول فى مسابقة Formula Student UK العالمية، التى استضافتها إنجلترا منذ عدة أيام على تراك سيلفر ستون، متفوقين على فرَق ثمانين دولة لتصميم وتصنيع سيارات السباق- يثير تساؤلًا هاما للغاية، وهو هل الحكومة جادّة فى تبنّى مواهب وابتكارات الشباب المصرى للارتقاء بالتصنيع وخدماته فى مصر؟ أو بمعنى آخر، هل ثمة استراتيجية حكومية متكاملة للنهوض بالصناعة؟

هذا التساؤل، فى حد ذاته، قد يكون مقدمة لتساؤلات شتى تتعلق بقدرة الحكومة على تنفيذ خطة طموح لرفع كفاءة التصنيع الثقيل، بل التصنيع عمومًا، وتوظيف إمكانيات البحث العلمى وطفرات الباحثين والمبتكرين المصريين لخدمة المجال الصناعى، وهو ما لا وجود له على أرض الواقع، خصوصًا مع إهمال الدولة طوال العقود الماضية قضية الصناعة وقضية البحث العلمى، والاعتماد كليةً على استيراد التكنولوجيا من الخارج، وعدم ربط مُخرَجات قطاع التعليم واحتياجات قطاع الصناعة، ما أثر بالسلب فى ذلك القطاع الحيوى فى البلاد، ربما منذ الستينيات من القرن الماضى، وهى الحقبة التى شهدت نموًّا وتطورا كبيرَين بعد فترات من الخمود والتلاشى أعقبت إنجاز محمد علِى باشا، مؤسس الأسرة العلوية فى مصر.
فوز فريق طلاب كلية الهندسة بالمركز الأول فى إنجلترا يُعد دليلًا على أن مصر تمتلك ثروة بشرية إذا أُحسِن استغلالها وتم التنسيق بين متطلبات الصناعة والبحث العلمى، واعتماد قاعدة بيانات للربط بين الصناعات التى تتشابه فى مجال واحد، ودمج القطاع الخاص بمنظومة البحث العلمى من خلال تبنّى المصانع التى تحتاج إلى تطوير منتجاتها للباحثين والأبحاث العلمية والإنفاق عليها، لكن كل أولئك لا وجود له فى الحقيقة، فالإنفاق على البحث العلمى فى مصر مُتدنٍّ للغاية، وليس للبحث العلمى ميزانية محترمة قمينة بتوفير غطاء بشرى من الباحثين والأبحاث العلمية، وهو الغطاء الذى لا تستغنى عنه دولة تروم النهوض والارتقاء والاكتفاء الذاتى والمنافسة الخارجية.
الأرقام الرسمية تؤكد أن ما تنفقه مصر على البحث العلمى يبلغ 1% من ناتجها القومى، حسب نص الدستور فى مادته «23»، فى الوقت الذى تنفق فيه إسرائيل أكثر من 4% من ناتجها القومى، وعلى الرغم من أن ميزانية البحث العلمى فى مصر قد ارتفعت إلى نحو 21 مليار دولار، فإن مؤشر البحث العلمى قد تراجع العام الماضى دوليًّا، لتأتى مصر فى المركز رقم 129 من بين 148 دولة فى قائمة الجودة العلمية، وهو مركز متدنٍّ جدا، كما جاءت فى المركز 128 من أصل 140 دولة فى مؤشر كفاءة مؤسسات البحث العلمى. وبصرف النظر عن لغة الأرقام، على الرغم من دلالاتها وإيحاءاتها، فإن الحقيقة تقتضى الاعتراف بأن الدولة لا تولى البحث العلمى أى أهمية، وما الـ1% الذى تتِيه به الحكومة إلا حبرٌ على ورق؛ ذلك أن جل مبلغ الـ21 مليار جنيه تلتهمه رواتب الموظفين وبدلات رؤسائهم وحوافزهم، ولا ينال البحث العلمى منه شيئًا، ولا أدَل على ذلك من أن معظم الباحثين الجادين فى عشرات المراكز البحثية يموّلون أبحاثهم من مدخراتهم الخاصة وجيوبهم، حتى يستطيعوا تقديم أبحاث للترقى أو إثبات الذات، ومما يثبت ذلك أن فريق طلاب كلية هندسة عين شمس، الفائز بالمركز الأول على مستوى العالم، قاموا بتمويل تصنيع سيارة السباق التى خاضوا بها جولات المسابقة العالمية، والتى تكلفت نحو نصف مليون جنيه، بجهود ذاتية منهم، إذ جمعوا ذلك المبلغ -الذى يُعد قليلا بعد تعويم الجنيه!- من أعضاء الفريق المكون من 50 طالبًا و10 مشرفين، وساعدتهم الجامعة وبعض الشركات الخاصة كذلك، ما يؤكد أن كلام الدكتور خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالى والبحث العلمى، عن جهود وزارته فى تشجيع الباحثين والارتقاء بالبحث العلمى إنما هو كلام يفتقر إلى الدقة، بل إلى الشفافية والصراحة والمكاشفة، ومما يعجب منه أن ذلك الوزير قال بالنص، يوم الثلاثاء الماضى، فى أثناء تكريم فريق من طلاب كلية الهندسة بجامعة حلوان لتصميمهم دراجة كهربائية ذكية وصديقة للبيئة، إن الوزارة تدعم وتشجع هذه النماذج الشابة المتميزة من خلال توفير كل الإمكانيات العلمية التى تحتاج إليها من أجل استكمال ابتكاراتها «..»، ولا أدرى عن أى دعم وتشجيع يتحدث الدكتور خالد عبد الغفار؟! ألم يقرأ عن معاناة فريق طلاب كلية هندسة عين شمس فى أثناء تصميم وتصنيع ابتكارهم المُتوَّج بالمركز الأول فى إنجلترا؟!
إن الإنجاز العالمى الكبير الذى حققه فريق كلية هندسة عين شمس، وكذا الابتكار الرائع الذى أنجزه طلاب هندسة حلوان، يثير كلاهما طائفة من التساؤلات التى تحمل فى طيّاتها الأمل فى المستقبل، وهو أمل حقيقى إن تم تنفيذه بالفعل على أرض الواقع، وليس أملًا كالذى يصرّح به الوزير فى أى محفل أو مناسبة لتطييب الخواطر فقط، وأهم هذه التساؤلات أو الأمانى والآمال هى: هل ستهتم حكومة مدبولى، ولو جزئيًّا، بهؤلاء الطلاب المبتكرين كنواة لتصنيع السيارات والدراجات الكهربائية صديقة البيئة فى مصر؟ وهل سيقوم الرئيس السيسى باستقبالهم وتكريمهم والاستماع إلى أحلامهم وأمانيهم وطروحاتهم كما يفعل عند تكريم واستقبال فريق كرة القدم أو طلاب وخريجى الكليات العسكرية؟ وهل سيطالب مجلس النواب حكومة مدبولى بإعداد خطة واستراتيجية لتطوير الصناعة المصرية بالتعاون والربط والتنسيق بين وزارتى الصناعة والبحث العلمى؟!
يُجمِع الخبراء والاختصاصيون على أن صناعة السيارات من الصناعات الداعمة لكبرى الاقتصادات العالمية؛ لما تختص به تلك الصناعة من مقوّمات تمكنها من النهوض بمستقبل التصنيع فى وقت يسير، وليس من المعقول أن تزخر مصر بثروة بشرية وعلمية ممتازة، ولا يُستفاد بها فى تطوير ودفع هذه الصناعة الهامة إلى الأمام للمنافسة عالميًّا، حتى ننتقل من طور التجميع إلى طور التصنيع، وهذا أمر -وإن لم يكن سهلًا فى البداية- من الممكن تحقيقه ما دامت النيات خالصة، وما دامت القيادة السياسية حريصة على تنمية موارد البلاد، والدخول فى مجالات صناعية متطورة، تسهم فى رفع شأن الاقتصاد المصرى وتحويله من اقتصاد خدمى وريعى إلى اقتصاد صناعى متطور، وهذا ليس من الصعب أو من المستحيل، فكما شجعت الدولة من ذى قبل على إنشاء مصانع خاصة لإنتاج وتجميع السيارات، وبدأت عدة شركات عالمية فى إنشاء مصانع لها فى مصر، وقدمت عدة موديلات حديثة تلبيةً لاحتياجات المستهلك، فالدولة كذلك مطالَبة بتشجيع شباب كليات الهندسة المبتكرين، واحتوائهم، وتنمية مواردهم العلمية والمادية لقيادة قاطرة التصنيع الحقيقى فى البلاد.
فهل يتحقق الحُلم؟! أم أن الأحلام أعلى من سقف طموحنا؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات