.

«قلب أمه».. الكوميديا المحبوكة يمكن أن تعيش طويلًا

Foto

لماذا امتاز النص ببناء محكم لأحداثه وتسلسل طبيعى لها؟ هل نجح شيكو فى الدخول إلى قائمة أشرار السينما المصرية الظرفاء؟


هل الفيلم الكوميدى الجيد يحدده فقط مقدار الضحك الذى ينتزعه من الجمهور، أم أن هناك معايير أخرى يمكن أن نضعها فى الحسبان عند التقييم؟ إن الفيلم الكوميدى يجب أن يكون -أولًا- فيلمًا جيدًا قبل الحديث عن مستوى وحجم الضحك الذى يقدمه لمشاهديه.

«قلب أمه» نموذج للفيلم الكوميدى حسن الصنع فى سنوات صار فيها الفيلم الكوميدى خليطًا بين مجموعة من الإفيهات والأغانى الشعبية أو أغانى المهرجانات. نشاهد فى «قلب أمه» قصة المجرم الخطير مجدى تختوخ «شيكو» الذى يتعرض لحادثة تجعله بحاجة إلى زرع قلب بصورة عاجلة، فى الوقت الذى تصادف فيه وفاة سيدة «دلال عبد العزيز»، هى والدة يونس عبد الحى «هشام ماجد»، فى نفس المستشفى، فيقوم الطبيب المعالِج له بنقل قلب أم يونس إلى مجدى تختوخ ليكمل به باقى حياته. وهنا تبدأ سلسلة من المواقف التى يجد فيها تختوخ نفسه يتعامل مع يونس بـ«قلب أمه» الذى يحمله فى صدره، بكل ما فى قلب الأم من حب ورعاية وحنان.
الفيلم قد تكون جرعة الضحك فيه أقل من أفلام سابقة لشيكو وهشام ماجد، بسبب اعتماد «قلب أمه» على مفارقة: كيف يقوم مجرم بدور الأم؟ ما يجعلك كمتفرج تفقد تدريجيًّا تأثير المشاهد التى يقوم فيها المجرم بهذا الدور مع مرور الوقت، لكن مستوى السيناريو فى «قلب أمه» يتخطى -بلا شك- كل هذه الأفلام، وهنا تحديدًا تكمن نقطة القوة الأهم للفيلم الذى خاض المنافسة فى موسم عيد الفطر الماضى. 
أحمد محيى ومحمد حمدى هما كاتبا النص الذى امتاز ببناء محكم لأحداثه وتسلسل طبيعى لها، بالإضافة إلى عدم وجود مشاهد مقحمة أو مفتعلة بدافع الإضحاك وخلاص، أو بعض تلك التى تُكتب خصيصًا للأبطال لإظهار قدراتهم على الاستظراف، فعلى الرغم من عدم واقعية الحبكة الرئيسية التى يقوم الفيلم عليها، وهى انتقال مشاعر شخص ما إلى شخص آخر إذا ما تم زرع قلبه بداخله -وهذا مقبول بالطبع فى الأفلام الكوميدية- فإن ما عدا ذلك من أحداث يكون منطقيًّا تمامًا ومتماشيًا مع تركيبة شخصية يونس ومع التغيير الطارئ على شخصية مجدى تختوخ بعد أن أصبح يعيش بقلب أم يونس.
ورسم الشخصيات هو ثانى ما يجعل السيناريو أفضل عناصر الفيلم، بدايةً من وضع تفاصيل مجدى تختوخ، التى جاءت كلها تخدم الحبكة وتدفعها إلى الأمام؛ مثل كونه رئيس عصابة «مسخرة» كان يضع فى طفولته الشطة لخالته فى الكشرى انتقامًا منها، ويقوم بقتل عصابة أخرى بالخطأ فى أثناء بحثه عن غريمه اللدود البوهيمى «محمد ثروت»، ما يجعل المُشاهد يتقبل بسلاسة التحول الحادث لمجدى بعد نقل قلب الأم إليه، فهو من الأساس «مكنش مجرم أوى يعنى». هذا بجانب شخصية يونس الضعيفة غير القادرة على الاعتماد على نفسها، الأمر الذى يفسر استسلامه لتدخل مجدى تختوخ فى حياته دون اتخاذ أى تصرف لوقف هذا التدخل.
كما أن كاتبَى السيناريو أجادا فى اختيار توليفة الشخصيات الموجودة فى العمل بالصورة التى تؤدى إلى توليد الكوميديا تلقائيًّا بمجرد تعاملهم معًا، فتناقض طباع وحياة تختوخ مع يونس يبعث على الضحك عندما تراهما فى مشهد واحد.
ولا يمكن تجاهل الحديث عن كيف تألق كل ممثل فى أداء دوره بإتقان وسهولة تجعل من دور بعضهم فى «قلب أمه» هو الأفضل لهم فى مسيرتهم الفنية. شيكو بالنسبة إلىَّ هو بطل الفيلم الأول، مع أن مساحة دوره لا تزيد كثيرًا عن هشام ماجد، لكنه قدم أداءً بارعًا فى لعب شخصية مجدى تختوخ، ما سيدفع بشيكو إلى مصاف كبار أشرار السينما المصرية الظرفاء؛ مثل إستيفان روستى وتوفيق الدقن وعبد الفتاح القصرى.
هشام ماجد هو الآخر بذل مجهودًا أكبر فى تقديم شخصية يونس عن باقى الشخصيات التى أداها من قبل، بسبب ثراء شخصية يونس بالتفاصيل التى نجح هشام فى إبرازها دون مبالغة أو افتعال.
لا أمِلّ القول إن أى نجاح فى إظهار مميزات السيناريو، والإجادة فى توظيف إمكانيات الممثلين لابد أن يحسب لصالح المخرج، الذى لولا إدارته الموفقة لهذه العناصر لَضاعَ مجهود أصحابها هباءً. وهذا بالطبع ينطبق على «قلب أمه» أولى تجارب عمرو صلاح الإخراجية، التى قدمت لنا مخرجًا لديه قدرة مُبشّرة على منحنا أفلامًا كوميدية ذات مستوى محترم يمكنها أن تعيش طويلًا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات