.

حدث فى برلين.. نازيون فى القاهرة

Foto

كيف تغيرت حياة «ليليان شميدت» التى كانت سكرتيرة القائد النازى المسؤول عن ترحيل اليهود بعد هروبها إلى مصر؟ هل يمكن قراءة التاريخ بأكثر من وجهة نظر؟ هل المتورطون فى العمل مع «القادة الدمويين» أبرياء لأنهم كانوا مجبرين على ذلك؟


تختار رواية «هشام الخشن» الأحدث «حدث فى برلين» زمنًا دسمًا أساسيًّا لتنطلق منه جذور الأحداث، سنوات صعود «هتلر» الدموية فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى، إذ لا صوت سوى نبرات «الفوهرر»، والاحتشاد وراء معانٍ كبرى شديدة الشوفينية والعنصرية؛ مثل الجنس الآرى وألمانيا العظمى، وعادةً ما تحفل مثل هذه الأوقات «المجنونة» فى حياة الأمم والشعوب بالعديد من القصص الإنسانية التى «تنهرس» تفاصيلها، وتضيع آهات أصحابها وسط هدير الجماهير الصاخبة المؤيدة للزعيم ولكل أفعاله.

ومن وسط هذه التفاصيل يختار الخشن أن يروى قصة ثلاث فتيات ألمانيات هشات، ارتبطت مصائرهن معًا، وجمعهن القدر لاحقًا رغم سنوات البعد والشتات، لكنه كان قد فعل فيهن أفعاله ومقالبه.
الفتاة الأولى هى ليليان شميدت، ابنة جنرال الشرطة الألمانى الشريف، التى تجد نفسها فى مصادفة قدَرية، السكرتيرة المباشرة لواحد من أكثر قيادات الدولة النازية جدلًا فى التاريخ، أدولف إيخمان، ضابط الرايخ الثالث الذى كان مسؤولًا عن ترحيل اليهود من ألمانيا والدول الأوروبية الخاضعة لسيطرة النازية إلى خارج أوروبا أو إلى معسكرات القتل، واتهم لاحقًا بالتورط فى قتل أكثر من مليون يهودى، وقد استطاعت دولة إسرائيل بعد قيامها تنفيذ عملية اختطاف إيخمان الهارب إلى الأرجنتين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ونقل إيخمان فى عملية مخابراتية استعراضية إلى تل أبيب، وحوكم فى عجالة عام 1960، قبل أن يتم تنفيذ حكم الإعدام عليه ونثر رماده فى البحر المتوسط عام 1962.
عقب انهيار الحلم النازى وانقسام ألمانيا إلى ألمانيتين، إحداهما شرقية والأخرى غربية، تجد «ليليان» نفسها فى ورطة كبرى، «صائدو النازية» بدؤوا فى تتبعها، وقد أصبحوا أكثر نفوذًا ونشوة بعد اصطياد «إيخمان»، وهكذا تجد ليليان نفسها مضطرة لأن تبدأ رحلة هروب مضنية من البلاد، بالتعاون مع منظمة ألمانية تدعى الأوديسا، كانت تستهدف إبعاد المتورطين فى العمل مع النازية دون أن تكون لهم يد مباشرة فى جرائمهم، بعيدًا عن أعين الصيادين، الذين هم بالطبع من اليهود أو الإسرائيليين.
تصل «ليليان» إلى مصر بعد رحلة هروب ذاقت فيها الهوان، لتجد نفسها مرة أخرى برفقة واحد من أشهر رجال النازية الذين فرّوا بعيدًا عن أعين الصيادين «هانز إيزل»، وهو طبيب اشتهر فى معسكرات النازية بلقب الجزار أو «الملاك» -على سبيل السخرية- كونه كان يجرى تجارب طبية على ضحاياه دون تخدير. تعمل ليليان ممرضة لدى هانز، الذى بات يقدم نفسه كطبيب ألمانى مهاجر فى أوساط المعادى الراقية، لكنها تتعرض لصدمة جديدة عندما ترى محاولة لاغتيال «هانز» فى قلب عيادته، ليبدو لها أن الهروب من يد صائدى النازية لن يطول كثيرًا حتى فى مصر.
الفتاتان الأخريان هما «هيلدا» شقيقة ليليان، التى تتزوج بشاب ألمانى شرقى وتذهب إليه حيث تعيش فى دولة حديدية، لتجد نفسها وزوجها فجأة فى معسكرات الاعتقال بتهمة الخيانة للوطن، بينما الفتاة الثالثة هى «راشيل» ابنة التاجر المرابى اليهودى، التى تفقد أسرتها فى عمليات القتل الجماعى لليهود، وتتعاون لاحقًا مع «صائدى النازية» لتجد نفسها فى مواجهة جارتها المقربة «ليليان» التى أنقذتها أسرتها من الموت ذات مساء ألمانى جنونى كان يتم فيه الاعتداء على كل ما هو يهودى.
تجذب «حدث فى برلين» قارئها من السطور الأولى، لأنها مكتوبة بنفَس مشوق وجاذب. كما أن هناك ذكاءً وإتقانًا فى الانتقال بين الأزمنة المختلفة (ثلاثينيات وستينيات وتسعينيات القرن العشرين)، ويتضح المجهود البحثى الذى قام به المؤلف للإلمام بتفاصيل تلك الأزمنة، وبخاصة الثلاثينيات منها، إذ تفاصيل الحياة اليومية فى ألمانيا تحت حكم النازى، لكن يظل هناك تساؤل -لا تولده «حدث فى برلين» فحسب- عن المساحة التى يمكن فيها للمؤلف استخدام شخصيات تاريخية حقيقية، وتوريطها فى أحداث تخص أبطال عمل روائى دون الإشارة إلى دور الشخصية التاريخية واقعيًّا، فإذا كان ذلك مقبولا مع شخصية معروفة لكل المهتمين بتاريخ النازية مثل «أدولف إيخمان»، فإن استخدام شخصية «د.هانز» كان بحاجة إلى إشارة صغيرة فى الهامش أو ربما بعد انتهاء الرواية إلى حقيقة وجوده فى مصر، خصوصًا أن هناك تقديرات تتحدث عن هروب نحو 200 ضابط ألمانى نازى إلى القاهرة واستقرارهم بها عقب بدء عمليات صيد النازيين، ولعل د.هانز ورفيقه د.أربيرت هايم من أشهر هؤلاء.
الإشارة إلى ذلك لم تكن لتنتقص من حق المؤلف فى نسج عالم روائى خيالى خاص به، خصوصًا أن الصفحات الأولى من الكتاب بها أكثر من هامش لشرح مفردات تتعلق بالزمن النازى، بعضها معروف؛ مثل الرايخ الثالث والجيتوهات.
التقطت «حدث فى برلين» تلك الحقيقة الدرامية الملهمة «هروب نازيين إلى القاهرة»، لكن لم تجعلها أساس السرد فى الرواية، ولكنها مجرد تكئة تستند إليها الأحداث، ورغم أن ذلك يبدو منطقيًّا مع تدفق الأحداث فى الرواية، فإن هناك تساؤلًا عن سبب «تفويت» فرصة التطرق لعالم ثرى ومشوق لـ«النازيين فى القاهرة»، والاكتفاء باستعراضه ظاهريًّا فحسب.
منذ مفتتح الرواية فى صفحاتها الأولى بجملة «التاريخ صنيعة حكائه» يبدو أن الهاجس الأكبر الذى دفع «الخشن» لكتابة «حدث فى برلين» هو محاولة الإجابة عن سؤال شائك: لماذا تدفع الشعوب ثمن قرارات حكامها المجنونة؟ وهو ما تجلى فى الرعب الذى عاشته ليليان طول سنوات عمرها لمجرد أنها كانت سكرتيرة تقوم بأعمال روتينية لأدولف إيخمان، بل إن الرواية تطرح سؤالًا أخلاقيا آخر حول مسؤولية «الأتباع» عن قرارات «المسؤولين»، كان هذا المنطق هو أحد دفاعات «إيخمان» خلال محاكمته فى إسرائيل «لقد كنت أنفذ أوامر رؤسائى فلماذا علىَّ أن أدفع الثمن وحدى؟». فى ثنايا الأحداث يتسرب إحساس بتعاطف المؤلف مع «الأتباع» كونهم لم يكن هناك أى بديل أمامهم سوى تنفيذ الأوامر، لكن هل هذه هى الحقيقة فعلًا، خصوصًا مع نظام حكم وحشى كما كان الحال مع النازية؟
هذا الميل للدفاع عن «ضحايا العمل تحت قيادات مجنونة» انقلب إلى خطابية مباشرة بعض الشىء فى نهاية الرواية، وبدا أن ذلك الهم قد سيطر على المؤلف بدرجة جعلته يصر على أن يقوله بشكل مباشر وصريح على لسان واحدة من بطلات الرواية، صحيح أن ذلك جرى وفق حيلة درامية مقبولة «برنامج إذاعى» تسمح باللغة المباشرة، إلا أن «تلخيص» غرض الرواية على لسان بطلتها ربما أضعف من أثر ذلك قليلًا. ثمة إشارة أيضًا إلى أن «ضمير المتكلم» الذى لجأ إليه المؤلف للحديث على لسان «ليليان» و«هيليدا» ربما يثير بعض التشوش للقارئ، كون أن الصوتين يتداخلان فى ذهنه أحيانًا.
بعيدًا عن أزمة «ليليان شميدت» فى «حدث فى برلين» ومحاولاتها المستمرة للتخلص من ماضٍ تورطت فيه وأصبح عليها أن تدفع ثمنه مُجبرَة، فإن الرواية نموذج جلىّ لما يُعرف بـ«أثر الفراشة»، إذ يؤثر حدث صغير يقع فى «برلين»، وهو موافقة ليليان على الانتقال للعمل سكرتيرة لدى إيخمان، فى مصائر جيلين على الأقل من هذه الأسرة، فتتسبب هذه الخطوة، التى ربما تكون عادية فى زمن عادى، لكنها ليست كذلك حتمًا فى زمن توهج النازية وسقوطها- فى تحول حياة «ليليان» وشقيقتها إلى جحيم وشتات ورحلة هروب لا تنتهى أبدًا، حتى بعد العثور أخيرًا على الكمان الأثرى النادر الذى كانت تعزف عليه «هيلدا» مقطوعات الحب والشوق مع زوجها المُحمَّل بأفكار «يوتوبية» عن الشيوعية ودولتها فى ألمانيا الشرقية.
«حدث فى برلين» إذن تنحاز بطبيعة الحال إلى البشر الذين تضيع أحلامهم وسط صخب «المصطلحات الكبرى»، والذين يجدون أنفسهم متورطين فى خدمة أفكار عادةً ما يدفعون هم ثمن سقوطها أكثر من أى شخص آخر، لتؤكد مستوى آخر هو أن العالم صغير، وأن الأوجاع ممتدة لدرجة أن ما يحدث فى برلين يصل صداه إلى القاهرة وما بعدها.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات