.

الكل يشكو من الشائعات.. الكل يصدقها.. مَن يُطْلِقها إذن؟!

Foto

لماذا أصبحت السوشيال ميديا مرتعًا للشائعات؟ هل القضاء على الشائعة مسؤولية الدولة أم المواطنين؟


كلنا يشكو من الشائعات، وكلنا يتضرر منها، لكن أن يتضرر منها أعلى مؤسسة فى الدولة (مؤسسة الرئاسة) وأن تصبح الشائعات مصدر قلق على أمن مصر الداخلى للدرجة التى تجعل رئيس الجمهورية يعلن بشكل رسمى أنه تم رصد أكثر من عشرين ألف شائعة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فهذا يعنى أننا أمام معركة حقيقية وأننا أمام هجمة شرسة تستهدف وعى وأمن المواطن.

فى هذه المعركة من المهم معرفة مَن يطلق الشائعة، لكن الأهم هو معرفة كيف تنتشر ولماذا، وكيف نقاومها، وما دور مؤسسات الدولة سواء فى السماح للشائعة بالانتشار أو المقاومة الفعلية لا الشكلية لها، من المهم أيضًا أن نعمل على تقوية الجهاز الإعلامى لمواجهة الشائعات، فالسياسة الإعلامية التقليدية القديمة مليئة بالثقوب والعشوائية الإعلامية تضر أكثر مما تنفع، لابد من استراتيجية إعلامية تعيد الثقة المفقودة بين المواطن ومصادر المعلومات، لأن الأمر تفحَّش ولم يعد السكوت عنه ممكنًا، فسلامة المجتمع وأمنه أصبحا على المحك، ولأن الشائعات خطر حقيقى فلا يجب الاستسهال فى التعامل مع هذه المشكلة المجتمعية، ولا يجب الاكتفاء باتهام الإخوان بأنهم هم مَن يقفون وراء كل شائعة، صحيح أنهم لن يتوقفوا عن نشر الشائعات ولن يهدأ لهم بال إلا إذا عمّ الخراب مصر وذاق المصريون المرار المغلى.. بعيدًا عن الإخوان وشائعاتهم نحن نعانى بشكل كبير الأخبار المكذوبة والمتعمدة والتى تشوش الوعى والتى تسىء إلى المصريين، هذه الشائعات ظاهرة من الظواهر الخطيرة التى يتعدى خطرها مجرد إشغال الرأى العام، فلا تكاد تشرق شمس يوم جديد إلا ونسمع شائعة فى مكان ما، شائعات حول الأطفال الذين قتلوا أو شائعة رصف شارع المعز أو شائعة موت الفريق عنان أو شائعة براءة المتهم بالرشوة أو شائعة سائل الحياة الأحمر الذى وجد فى تابوت الإسكندرية.. والكثير والكثير مما تلقاه الوعى العام خلال أسبوع واحد فقط، ولأن الشائعات من أخطر الأسلحة المدمرة للمجتمعات والأشخاص فعلينا أن نفهم طبيعة الشائعات وكيف تتكون وما العوامل التى تساعد على انتشارها والعوامل التى تحد من تأثيرها.
السبب الأول للشائعة هو غياب المعلومات، فالمعلومات الصحيحة ملك للمسؤولين، والمسؤولون يفكرون بطريقة قديمة جدًّا وليست لديهم أية آلية لتوصيل المعلومة الصحيحة والسليمة للمواطنين، ولو أضفنا السبب الثانى وهو انعدام الثقة فى كل ما يُذاع من الجهات الرسمية، نكون أمام بيئة داعمة للشائعات، ولو أضفنا فساد المسؤولين والخبرات اليومية للمصريين مع هذا الفساد نكون أمام الجنة التى يتمناها مطلق الشائعة. فأية جهة سواء أكانت تعادينا أم تتآمر علينا سرًّا لن تبذل مجهودًا كبيرًا فى اختراع أية شائعة، فالثقة المفقودة كيف تأتى ولا يوجد أحد يعرف كيف خرجت قطع الآثار المهربة من مصر إلى إيطاليا بهذه الأعداد وتلك الأحجام؟! والمصيبة أننا ما كنا سنعرف بهذه المصيبة لولا الجانب الإيطالى الذى كشف عنها، هنا يخضع المصريون لهزة كبيرة فى ثقتهم فى الأنظمة الإدارية للدولة، ويصبح السؤال: كم من العمليات المشابهة تمت ولم تنكشف نظرًا لأن الطرف الآخر لم يعلن عنها؟!
إن خبرات المصريين فى استخراج الآثار مؤلمة، فيسهل انتشار شائعة عن سائل الحياة الموجود فى تابوت الإسكندرية، فلم ينسَ المصريون استخراج تمثال أثرى فى المطرية عن طريق اللودر وليس عبر قواعد التنقيب والاستخراج المعمول بها دوليًّا، ولم ينسَ المصريون كشف الجهات الرقابية عن موظف لديه أموال طائلة ثم انتحار قاضٍ متهم معه وهو فى حوزة الأمن، الأمثلة كثيرة وخطيرة أفقدت المواطنين الثقة فى الحكومة، فكم مرة وقف فيها مسؤول كبير فى البلد يقسم أن الأسعار لن ترتفع ثم ترتفع بقسوة؟! وكم مرة وقف فيها ووعد المواطنين بانخفاض الأسعار ولا تنخفض؟! فمن أين تأتى الثقة؟! ومن أين تأتى المعلومة الصحيحة؟!
الشائعة يا سادة يا محترمين هى خبر أو مجموعة أخبار زائفة تنتشر فى المجتمع بشكل سريع وتتداول بين العامة، ظنًّا منهم فى صحتها. دائمًا ما تكون هذه الأخبار شيقة ومثيرة لفضول المجتمع والباحثين، وتفتقر هذه الشائعات عادةً إلى المصدر الموثوق. فبالله عليكم دلّونى على مصدر موثوق فى مصر، كل المصادر محترمة ومقدرة لكنها ليست أهل ثقة للمواطن، والمصيبة أن المسؤولين لا يحاولون دفع مهر للثقة، هم يطالبون الناس بأن يثقوا فيهم بالأمر والعافية، والثقة تبنى على مدى سنوات، وعلى الرغم من أهمية وجود مصادر موثوقة فى المجتمع فإننا لا نضع فى خططنا القومية أية محاولة لبناء جسور الثقة مع المواطنين.
الشائعات رغم تنوعها فإنها تصب فى النهاية فى المشروع السياسى للدولة، أو عادةً ما تحدث هذه الشائعات فى الحروب أو فى الحالات الأمنية غير الاعتيادية، وغنى عن البيان أننا فى ظروف أمنية ليست جيدة، فالإرهاب فى سيناء، والطابور الخامس منتشر فى كل مؤسسة وكل مصلحة، وبدلًا من أن نكون واعين لهم إذا بأجهزة الدولة والمسؤولين القائمين عليها يقدمون الهدية تلو الهدية لكل مَن يريد نشر شائعة، حتى لو لم يكن مناوئًا للدولة وكل مبتغاه اللعب واللهو، فقد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعى فئة من المستخدمين كل مبتغاهم إثارة الرأى العام من أجل الشهرة أو الحصول على التريند، والشائعات التى تقوم على هذا المبدأ عادةً ما تحوم حول المشاهير كوفاة لاعب أو حدوث حادث لفنانة، وغيرهما من الشائعات. وهناك شائعات يصنعها المجتمع بنفسه خصوصًا الأمور المزمع أو المترقب حدوثها، وذلك بكثرة ترديدها وبالسؤال عنها تُخلق شيئًا فشيئًا هذه الشائعات.
للشائعات آثار نفسية وحسية بالغة، فبمقدورها القضاء على مجتمعات كاملة، فى حين أنها لم تُواجه من قِبل الأطراف الواعية، وتزداد خطورتها إذا كانت هُناك جهة ما تُزيد إسعار نار الشائعة طلبًا لمُبتغياتها، فالشائعة ببساطة تجعل من الصواب خطأ ومن الخطأ صوابًا وقد يدعمها أحيانًا بعض الوجهاء ورجال الدين، وبانتشارها وسيطرتها على عقول المجتمع قد تغيّر فى السلوكيات وفى التعاطى مع أمور مُعينة بالنسبة إلى الأفراد، وقد يصعب إبطالها أحيانًا لتفشيها فى المجتمع وتشرُّب المجتمع لها، ورغم أهمية معركتنا ضد الشائعات فإن تجاهل الدولة مواجهتها أمر غير مفهوم وغير مبرر، والأكثر غرابةً أن الدولة بمؤسساتها تركت مواجهة الشائعات للمواطنين، وباجتهادات فردية هل يعقل أن كل مؤسسات الدولة المتخمة بموظفين لا تجد طريقة سهلة وعلمية ومقبولة لدحض الشائعات؟ هل يعقل أن دولة فى حجم مصر والتى تعلن ليل نهار أنها تتعرض للمؤامرات الخارجية لا يكون رد فعلها تجاه الشائعات سوى خروج المسؤول ليقول هذه شائعات؟! طيب، أين الحقيقة؟! ولماذا لم تستبق المتآمرين فى نشر المعلومات الصحيحة؟! لماذا تتعمد الدولة نقص المعلومات وغياب الشفافية والخرس على حالة التخبط؟ إذا كان المسؤولون يعتقدون أن هذه الطريقة هى الأنسب فى إدارة شؤون الوطن فهم واهمون ومخطئون، لأن هذا المناخ سينقلب ضد الوطن والمواطنين ومعهم المسؤولون.. فهل ننتبه قبل فوات الأوان؟!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات