.

الثورات المكبلة بالفساد والتطرف

Foto

ويركز الكاتب على توضيح تلك التطورات على ثلاث نقاط، هى: «التنمية المعاقة، السمات الخاصة بنمط الإنتاج الرأسمالى فى المنطقة، السيرورة الثورية طويلة الأمد».


يتناول جلبير الأشقر فى كتابه «الشعب يريد» الصادر حديثًا عن دار الساقى، ثورات ما بات يعرف باسم «الربيع العربى»، بدءًا من اللحظة التى اشتعل فيها فتيل هذه الثورات فى ديسمبر من عام 2010 فى تونس حين أقدم بائع الخضراوات التونسى الشاب محمد البو عزيزى على إضرام النار فى جسده، احتجاجًا على وضعه الاجتماعى والإهانة التى حاقت به على يد قوات الأمن. هذه اللحظة الفارقة كانت بمثابة اللحظة التى اشتعل فيها النار فى الهشيم، حيث تحولت نيران البو عزيزى ثورة شعبية عارمة وانتقلت من تونس إلى مصر وليبيا وبلدان عربية أخرى، وتطورت إلى ما هو أبعد من هذه اللحظة الفارقة.


ويركز الكاتب على توضيح تلك التطورات على ثلاث نقاط، هى: «التنمية المعاقة، السمات الخاصة بنمط الإنتاج الرأسمالى فى المنطقة، السيرورة الثورية طويلة الأمد».

ويرصد تلك النقاط من خلال أبحاثه المعمقة ومحاضراته والزيارات المتعددة التى قام بها والاتصالات التى أجراها فى المنطقة.


ومنذ الصفحات الأولى، يوضح الكاتب أنه: «ليس من مؤيدى أى أنظمة عربية تصف نفسها بالتقدمية أو بالمحافظة، خصوصًا تلك التى وصفت وتصف الثورات التى حدثت فى الدول العربية فى السنوات الأخيرة بالتخريب والمؤامرة، فالثورات الجارية منذ عام 2011 تشكل سيرورة طويلة الأمد، مما يعنى عدم اكتمال الحدث، لأنّ الثورة هزَّت معظم البلدان العربية ولم تسفر عن انتفاضة معممة مع أنّه من المرجح جدًّا حدوث انتفاضات أخرى فى السنوات والأشهر المقبلة. أسباب هذه الانتفاضات أعمق من مجرد البُعد السياسى، ومواجهتها تتطلب تغييرات اجتماعية واقتصادية عميقة، إذ لا يوجد حل مستدام للأزمة من دون تغيير الجذور المسببة لها».


يشبر الكتاب إلى أن الثورات الشبابية فى العالم العربى هى ليبرالية سياسية وثقافية ممزوجة بحس حاد بالعدالة الاجتماعية.

وبين قادتها شباب من عائلات مثقفة وميسورة كوائل غنيم، ومن أبناء الطبقة الوسطى من مستخدمى الإنترنت، وهؤلاء يشاركون فى غالبيتهم فى حضارة تحرير عالمية، ويشعرون بأنهم أقرب إلى الساخطين فى الميادين العالمية والأوروبية العامة منهم إلى الأصوليين فى الميادين العامة للمدن العربية، ومرجعيتهم ليست بالضرورة دينية إسلامية وإنما ثقافية عالمية، وتجمع بينهم وبين السلفيين الذين جاوروهم فى ميادين المدن العربية كون المجموعتين ضحايا للبطالة وانعدام الأمان الاقتصادى اللذين تفرزهما الرأسمالية المعاصرة.


يلقى الكتاب الضوء على علاقة الإخوان بالولايات المتحدة الأمريكية ولو بالواسطة، بأن حركة الإخوان المسلمين منذ نشأتها فى العشرينيات، وهى على علاقة بالمملكة العربية السعودية، فالسعودية هى التى احتضنتهم فى العهد الناصرى، حيث كانت تستخدمهم بمعاونة الأمريكان لمحاربة الناصرية والتقدمية والشيوعية.

انتهت هذه العلاقة فى التسعينيات عندما رفض الإخوان دعم التدخل الأمريكى فى السعودية والعراق، وهنا قطعت السعودية التمويل والمساعدة، وعندما جاء الأمير الجديد إلى السلطة فى قطر «اشترى الإخوان»، وكان ليوسف القرضاوى دور محورى فى ذلك، بل كان حلقة الوصل بين الإخوان وأمير قطر.

قطر التى برز تأثيرها على ثورات الربيع العربى، من خلال أداتين، هما «قناة الجزيرة والإخوان»، ومن خلالهما لعبت إمارة قطر دورًا أكبر من حجمها بكثير، واستغلت هذا الدور فى خدمة السياسة الأمريكية التى بنت أكبر قاعدة عسكرية لها فى قطر.


لم يغفل الكتاب التطرق إلى الثورة السورية ودوافعها الاقتصادية، فيشير الأشقر إلى تحالف رأس المال مع السلطة الأمنية منها خصوصًا، فقد استطاع رؤساء الأجهزة العسكرية والأمنية الإثراء إثراء فاحشًا وحققوا ثروات طائلة كشركاء إلزاميين لبورجوازية السوق، وذهب الجزء الأكبر من الإثراء إلى العشيرة العائلية لآل الأسد وشركائهم، ما يبين كيف أن الأسرة الحاكمة أصبحت تضم أغنى رجال البلد، ألا وهو رامى مخلوف ابن شقيق زوجة حافظ الأسد، وتقدر ثروته الشخصية بستة بلايين دولار. فى المقابل استشرى الفقر والبطالة فى الأرياف، وأصبح 30 فى المئة من السكان تحت خط الفقر، فى ظل تراجع معدل النمو الإجمالى، الأمر الذى يفسر تطور الانتفاضة السورية من المحيط الريفى نحو المراكز المدينية، ومن أحزمة الفقر المحيطة بهذه المدن نحو وسطها، مما أدى إلى استحالة سقوط هذا النظام بغير حرب أهلية، وأن دخول المتطرفين فى صفوف الثورة لا يجوز أن يشوه حقيقتها بوصفها حالة أصيلة لشعب يحمل السلاح.


ويخلص الكتاب إلى أنه لا سبيل أمامنا إلا أن تكون الدولة دون فساد، فقد باتت ممكنة لدينا بعد أن شكلت الثورات العربية تجربة أولى لممارسة ديمقراطية جذرية، كان العداء للفساد موضوعًا أساسيًّا من مواضيعها.

هذه التجربة تفسح المجال أمام رقابة شعبية ديمقراطية بالعمق، وقد رأينا مثل هذه الرقابة على الحكم تمارس فى مصر بعد 25 يناير 2011، فقد شهدت مصر حيزًا من الديمقراطية المباشرة، أى حركة مستمرة فى الشارع تعبر عما يريده الشعب وما يرفضه، وهذه الطاقة الديمقراطية هى ما تسمح بالأمل فى دولة مختلفة. لكن شرط ذلك هو تفكيك الدولة العفنة القائمة، الفاسدة والقمعية.

وبهذا التفكيك فقط يمكن أن تصل قيادة تمثل أمانى «الربيع العربى» وتحقق ديمقراطية داخل الدولة ورقابة على المسؤولين ونظامًا انتخابيًّا على كل المستويات، مع تحديد سقف للأجور، وكلها إجراءات ابتدعتها «كومونة باريس» فى عام 1871.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات