التنويرى يدخل السجن ويتهم بالكفر لأنه يبحث عن الحقيقة

Foto

لماذا التنويريون مكروهون إلى هذا الحد؟ ماذا لو كان لصفحات التاريخ موسيقى تصويرية خاصة تنبئنا بما تخبئه أحداثه؟


لم يكن لينفض الخائنون من حول التاريخ بكل بساطة، لأنهم فى غفلة منا زرعوا فى داخل الأحداث أمجادًا زائفة لم يكن ليكشفها سوى موسيقى تصويرية كتلك التى تقبع خلف أحداث السينما فتنبئنا بما قد يحدث، أو على الأقل تهيئنا للأحداث، كما أنها تنبهنا إلى الطيب والخبيث من الأحداث. مثل تلك الموسيقى التصويرية كانت ستحل الكثير من الملابسات غير المفهومة، وكانت ستحسم الكثير من القضايا المعلقة على جدران أرواحنا والتى تأبى أن تحسم وكأنها تصلبنا بين ما قد علَّمونا وما قد نجده داخل كتب التاريخ والتراث، أما الحقيقة فلطالما كانت ذلك الضمير المستتر الذى لا يمكن لأحد تقديره على وجه التحديد.

 

الحقيقة مؤلمة على كل حال، نصفها وانتصافها مريح وماتع، يحمل الكثير من الوجوه التى تحمل الكثير من التفسيرات، تمامًا مثل نصوص التراث، أن تقول إن الحضارة الإسلامية أنجبت العلماء العظام فى كل المجالات، هذا نصف الحقيقة التى قد تريح مجتمعات بأكملها، أما أن تبحث عن نصفها الآخر فلَسوف تجد أنهم جميعًا ليسوا من أصول عربية، وستجد أنه قد تم تكفيرهم جميعًا فى حياتهم من دون أى استثناء، وأنهم كانوا مطارَدين وملاحَقين وتعرضوا للكثير من الضغوط المجتمعية التى تم حذفها لنحتفظ بنصف الحقيقة الشافى المريح الذى تطرب الآذان لسماعه. على هذا المثال يمكننا القياس، عزيزى القارئ، على مئات الأمثلة الأخرى التى يمتلئ بها تاريخنا؛ لذا وجب عليك أن تعرف -إذن- لماذا التنويريون مكروهون إلى هذا الحد؟ لماذا يدخلون السجون ويُتهمون بالكفر وبازدراء الدين؟ هذا -ببساطة- لأنهم يبحثون فى باطن التاريخ والتراث عن الحقيقة الكاملة، والحقيقة الكاملة دومًا مكروهة هى ومَن يبحث عنها أيضًا. لم أفهم قط لمَ الخوف من الباحثين عن الحقيقة؟! لم أسمع قط أن أحدهم قد وجدها فى يوم من الأيام، فلمَ الخوف إذن؟! لا أحد يصل إليها، ومَن يبحث عنها بصدق غالبًا ما يكذّب نفسه إذا ما اقترب منها، ويخاف ولا يمتلك اليقين الذى يمتلكه غيرهم من مرددى عبارات التراث ونصوصه، الذين يظنون كما لو أن الحقيقة ملك لهم، أما نحن فلا خوف من محاولاتنا الجادة البائسة للبحث عن تلك الحقيقة؛ لأننا كلما اقتربنا أنكرنا ذلك القرب وواصلنا البحث، لاهثين غير مكترثين أو معترفين أو متيقنين من أى شىء على الإطلاق، فلو ناقشنا ما قد تم تصديره لنا عن وَهم «الخلافة» الإسلامية -على سبيل المثال- تلك الخلافة، التى استمرت قرونًا غابرة يورّثون فيها الحكم حتى يرتوى شغفهم بالأنساب وأشجارها الوارفة ظلمًا وسبيًا وطغيانًا، خلافة قائمة على تراب بدوى تعلوه خيمة بداخلها تكمن شهوة الحكم والسطو والسبى والقتل المقدس.. لو أن لأحداثها موسيقى تصويرية لَما ظننا أنها مجد ولو للحظة واحدة، بغير تلك الموسيقى كانت الفرصة سانحة أمام مَن كتب التراث لصناعة هذه الأكذوبة، أما عن الحكام فكل ما يحتاجون إليه ليس أكثر من صدفة جينية تُمنح للوريث فيصير بدوره ظل الإله حامل الدم المقدس. جاءت النصوص الداعمة لهذه الفكرة من كل حدب وصوب.

 

«أخبرنا أبو محمد السكرى أنبأ إسماعيل الصفار ثنا عباس بن عبد الله الدمشقى ثنا الربيع بن صبيح عن أنس بن مالك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إذا مررت ببلدة ليس فيها سلطان فلا تدخلها، إنما السلطان ظل الله فى الأرض ورمحه فى الأرض». «من سُنن البيهقى الكبرى- باب فضل الإمام العادل».

 

لا أظن أن هناك نصًّا أكثر وضوحًا من النص السابق هذا ليخبرنا مَن هم أصحاب اليقين الذين يظنون أنهم أصحاب الحقيقة، فقد عرفوا أن السلطان هو ظل الله فى الأرض! هكذا بكل بساطة يزايدون دون تردد أو خوف، ويكتبون مزايداتهم على لسان رسول الله، وإذا ما خالفناهم كفّرونا بكل بساطة، رغم أن مثل هذه الروايات والأحاديث كانت قُوت «الدولة الأموية»، ومن بعدها «العباسية»، بعد كل ما صاحب ملكهم وحكمهم من إراقة للدماء؛ لذا كانت هذه الأحاديث كفيلة بأن تغسل عنهم كل الدماء المراقة فى الطرقات، والرؤوس المقطوفة على قارعة الطريق، والأجساد المسجاة فى أكفانها البيضاء. وهناك الكثير من الأمثلة على تلك الأحاديث المختلَقة التى هدفت بالأساس إلى صبغة الخلافة وما عُرف بالحكم الإسلامى بالصبغة الدينية، فنجد -مثلاً- فى باب الترغيب فى طاعة الإمام- السنن الصغرى للنسائى: أخبرنا يوسف بن سعيد قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج أن زياد بن سعد أخبره أن ابن شهاب أخبره أن أبا سلمة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «مَن أطاعنى فقد أطاع الله، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى فقد عصانى».

 

كل هذه النصوص كان من شأنها توطيد شوكة الحكم على مدار قرون الخلافة، حتى إن مختلقى هذه النصوص، سواء فى العصر الأموى أو العباسى، كفّروا مَن يخرج عن طاعة الحاكم حتى لو كان ظالمًا.

 

وسأختتم المقال بالحديث الأشهر فى هذا الشأن: «حدثنا مسدد عن عبد الوارث عن الجعد عن أبى رجاء عن ابن عباس عن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال: مَن كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة الجاهلية». «كتاب الفتن- باب قول النبى سترون من بعدى أمورًا- صحيح البخارى».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات