.

القبور والأضرحة ومظاهر الدين الشعبى عند المصريين

Foto

هل آمن المصرى القديم بالبعث والحساب بعد الموت؟ لماذا شغف المصريون بالقبور والأضرحة وعظّموها؟


منذ آلاف السنين، شغف المصريون بالموت عبر بناء المقابر والجبّانات والمبالغة فى بنائها وتشييدها، وإعدادها لاستقبال جسد الميت الذى سينتقل من دار إلى دار أخرى فيها حساب وجزاء، فكان الموت حاضرًا بكثافة فى أذهان المصريين منذ القِدَم، حيث لا يوجد شعب قديم، أو شعب من شعوب العالم الحديث احتلَّ الموت، والبعث بعد الموت، المكانة التى احتلّها فى نفس الشعب المصرى، القديم والحديث. ولعلّ ذلك الاعتقاد كان وليد فكرة جغرافية بحتة؛ إذ إنَّ المصريين قد عرفوا أن تربة أرضهم تحفظ الجسم البشرى من البِلَى وتحافظ على هيكله سليما.


وبعد دخول الإسلام مصر، نظر المصريون إلى القبور، خصوصًا قبور الأولياء، نظرة دينية لم تختلف عن نظرة أجدادهم الفراعين؛ فهم يعـرفون أن القبرَ هو أول طريق إلى الآخرة، فجاءت نظرتهم تلك ذات صبغة إسلامية تغذّيها صبغة تاريخية انتقلت إلى جيناتهم الوراثية، فشغفوا بزيارة قبور وأضرحة الأولياء وآل بيت النبى -صلى الله عليه وسلم- ليلتمسوا منهم البركة ويقتبسوا منهم رُوحانيات الدين، كما هو فى اعتقادهم الشعبى البسيط، ما جعل كثيرًا من الرحّالة والمستشرقين يعجبون من ذلك الشغف العظيم، والاهتمام المصرى البالغ بالقبور والأضرحة.


وفى مصر، تأسّست أكثر أضرحة آل بيت النبى، فى أثناء القرنين اللذين حكم فيهما الفاطميون «956- 1171م»؛ ذلك أن الفاطميين الذين كانوا يعتنقون المذهب الشيعى الإسماعيلى، قد بنوا مشروعيتهم -إلى حد كبير- على اعتبار أنهم من نسل السيدة فاطمة -رضى الله عنها- ابنة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وزوج الإمام على -رضى الله عنه- ومع إزاحة صلاح الدين لحكم الفاطميين تمّ محو كل أثر شيعى من مصر، لكن أضرحة الحسين ونسله من النساء، بالإضافة إلى شخصيات أقل أهمية من بيت على، قد استمرّت فى الوجود تحت نظام الحكم الجديد؛ لأن الإسلام المصرى السنى يحترم ويُبجّل عليًّا وآله بدون أن يسبغ عليهم هالة كبيرة كمثل التى يسبغها الشيعة عليهم.


ومما هو معروف، أنّ أقدس الأضرحة على الإطلاق فى مصر، هو الضريح الذى يُعتقَد أن رأس الحسين، حفيد النبى، به، كما توجد أضرحة أخرى بالقاهرة لنسل طاهر من النساء اللاتى ينتسبن إلى النبى، كالسيدات «نفيسة وسكينة ورقية»، ويمثل ضـريح السيدة نفيسة، حفيدة الحسين، قبلة ومزارًا عظيما ذا جاذبية للمصريين، خصوصًا النساء، وتتضح صورة السيدة نفيسة باعتبارها الأم المنقذة من حادثة تثير الرهبة وقعت عام 926هـ/ 1520م، وقد رواها ابن إياس فى تاريخه: «فقد اشترك شاب وعبده الأسود فى إغراء طفلة فى السابعة من عمرها، كانت تسكن مع أسرتها بجوار ضريح السيدة نفيسة، فقاما بذبحها وسرقة كوفيتها المذهَّبة ثم ألقيا بجثتها فى بئر، ولما تبيّن أمرهما وقُبض عليهما أرشدا إلى مكان الجثة، وكانت المفاجأة أن الطفلة لا تزال حية، ولم يكن بها سوى جرح بسيط، وأخبرت الطفلة مَنْ حولها بحكاية مثيرة، وهى أنها بينما كانت تنزف فى البئر ظهرت لها امرأة جميلة، وقالت لها: «لا تبكِ، أنا نفيسة، ولسوف أنجيك من هنا»! [راجع: المجتمع المصرى تحت الحكم العثمانى لمايكل ونتر: ص 263- 264].


كما شُيّدت مساجد كبيرة فوق قبور أشهر الأولياء والفقهاء؛ كالإمام الشافعى فى القاهرة، وأحمد البدوى فى طنطا. ولقد اهتمت الحكومات المصرية والحكام بتجديد تلك المقابر والأضرحة؛ إذ جدّد عبد الرحمن كتخدا ضريح السيدة نفيسة مرتين، كما عزل على بك القائمين على ضريح السيد أحمد البدوى، وصادرَ ممتلكاتهم لتأسيس أوقاف لطلبة العلم الذين كانوا يدرسون به، كما جدّد قبة الإمام الشافعى، وما فعلوا ذلك إلا لأنهم لمسوا مقدار اهتمام المصريين وحبهم للأولياء وآل بيت النبى.


هذه لمحة سريعة تجلّى مظهرًا بسيطًا من مظاهر التدين الشعبى المصرى الذى يحاول الزحف الوهابى الأصفر القضاء عليه منذ منتصف سبعينيات القرن الفائت فى تحالف مريب مع المتسلفين الذين يكفّرون زائرى القبور والأضرحة، وينعتونهم بالجاهلية والفسوق والعصيان.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات