سيناء 2018.. نهاية مرحلة نأمل أن تكون بداية لمرحلة جديدة

Foto

ما الحد الفاصل بين الخلاف مع السلطة السياسية والدعم للقوات المسلحة فى مواجهة الإرهابيين؟ ما أهمية تسليط الضوء على أوضاع الحياة اليومية لأهالى سيناء فى ظل العمليات الجارية؟ لماذا يجب أن توضح السلطة أن المعركة مع الإرهاب لم تنته بعد؟


تبدو المساحة الفاصلة كبيرة وعميقة بين الخلاف السياسى الواجب مع السلطة وجوهر توجهاتها ومجمل سياساتها، حتى بما فى ذلك ما يتعلق بطرق وآليات المواجهة مع الإرهاب، وبين الدعم الواجب بنفس القدر وربما أكثر للقوات المسلحة والشرطة وكل مؤسسات الدولة عندما تخوض جولة تبدو بالغة الأهمية مع العناصر والتنظيمات الإرهابية الموجودة فى سيناء، وهى الجولة التى أعلن عن بدايتها صباح الجمعة الماضى عبر البيان رقم 1 الذى ألقاه المتحدث الرسمى للقوات المسلحة، والتى تمت تسميتها بالعملية الشاملة سيناء 2018، والتى تأتى كما فى إطار تكليف السيسى للقوات المسلحة قبل شهرين وأيام قليلة وتحديدا فى 29 نوفمبر الماضى باستعادة الأمن والاستقرار والقضاء على الإرهاب فى سيناء خلال مهلة زمنية مدتها ثلاثة أشهر تنتهى بنهاية فبراير الجارى.

 

هذه المساحة التى تلزم الجميع بدعم القوات المسلحة فى الهدف المعلن للعملية بتطهير سيناء من الإرهاب، والتى تعنى بوضوح الانحياز التام لصف الجيش فى مواجهة العناصر الإرهابية، يلزمها فى الوقت ذاته قدرا من الشفافية والمصارحة من جانب السلطة فى مصر إزاء بعض التساؤلات المطروحة، وبما يساعد فى القضاء على مساحات التشكيك المتعمد من بعض الأطراف، أو القلق المشروع لدى البعض الآخر، حول تداعيات تلك العملية الجارية حاليا، والتى نأمل حقا أن تشهد نهايتها قضاء مبرما على مواقع الإرهاب وعناصره المرتكزة فى سيناء، وإن كان هذا بالتأكيد لا يعنى فى اعتقادنا نهاية المعركة تماما وكليا مع الإرهاب فى مصر، وهو معنى واجب توضيحه من جانب السلطة نفسها، فالفارق كبير بين نجاح العملية الجارية حاليا فى تحقيق انتصار أمنى وعسكرى مهم وستكون له آثار كبيرة على حجم حضور ونفوذ التنظيمات الإرهابية فى سيناء خصوصا وفى مصر عموما، وبين أن المعركة ستظل مستمرة سياسيا وثقافيا وفكريا واجتماعيا مع بذور التطرف التى تخلق إرهابيين جددا.

 

الشفافية المطلوبة تبدأ من التأكيد على عدم تعرض أهالى سيناء للمزيد من المعاناة نتيجة العمليات الجارية حاليا، ومفهوم بالطبع أن هناك آثارا سلبية سوف تطولهم بحكم كون مسرح هذه العمليات يشمل بعض مناطق شمال ووسط سيناء، لكن المطلوب هو تقليل تلك الآثار إلى الحد الأدنى، وأن لا يتحول مفهوم «القوة الغاشمة» الذى أطلقه السيسى فى مواجهة الإرهابيين فى سيناء ليطول حتى ولو بالخطأ أهالى سيناء، الذين تكفيهم معاناة السنوات القليلة الماضية من الإرهابيين، وسنوات طويلة سبقتها من الظلم والتهميش، وهو ما يحتاج إلى تواصل مباشر مع أهالى سيناء ورسائل جادة لطمأنة الرأى العام كله إزاء حياتهم ووضعهم فى ظل هذه العمليات الجارية، وجزء من ذلك هو عدم استمرار التعتيم القائم بخصوص أوضاع الحياة اليومية لأهالى سيناء، والسماح للصحافة والإعلام بالحضور فى المناطق السكنية بقدر ما هو ممكن من تأمين وحماية، لممارسة دورهم فى كشف حقائق الأمور، لا فى ما يتعلق بتفاصيل العمليات العسكرية، وإنما فى ما يخص الحياة اليومية لأهالى سيناء.

 

الجانب الثانى من الشفافية المطلوبة، هو أن لا تمتد المعركة الجارية الواجبة ضد الإرهاب وتنظيماته إلى الزج بالخصوم أو المعارضين السياسيين فى هذه المساحة، بالذات فى ظل وقائع سابقة شهدت مثل تلك الممارسات بالفعل، وليس آخرها اتهام أمين تنظيم حزب سياسى قائم بالانتماء لتنظيم إرهابى والحكم عليه بالسجن وفقا لنصوص قانون الإرهاب، والمقصود هنا هو إسلام مرعى أمين تنظيم الحزب المصرى الديمقراطى، وهو ما يبدو مرشحا للتكرار فى وقائع أخرى بكل أسف بعد القبض مؤخرا على محمد القصاص أحد أنضج الكوادر السياسية التى هجرت جماعة الإخوان مبكرا وسعت لتأسيس حزب سياسى جديد نتفق أو نختلف معه، إلا أنه يظل فى مساحة مختلفة تماما بعيدة كل البعد عن وصفها بالإرهاب أو الزج بها فى خندق الأشرار كما تسميه السلطة، والمشكلة أن هذا يأتى فى سياق حملة اتهامات وبلاغات تطول عددا كبيرا من قادة وكوادر المعارضة السياسية، للدرجة التى يخشى معها من الخلط الخطأ والخطر بين الإرهابيين والمعارضين، واعتبار كليهما فى معسكر الأشرار على قدم المساواة من وجهة نظر السلطة، وهو ما يضعف كثيرا من فرص اتفاق الجميع بسبل وطرق مختلفة وراء معركة واحدة بالغة الأهمية مثل تلك التى تخوضها القوات المسلحة الآن.

 

جانب ثالث يبدو مهما ورئيسيا، فى ظل كل الأحاديث المتكررة حول صفقة القرن وحول استهداف بعض الأطراف لتحقيق فكرة الوطن البديل للفلسطينيين فى سيناء، ورغم نفى رسمى سابق من عدة جهات رسمية مصرية لمثل هذا السيناريو، فإن التوقيت الحالى على وجه الخصوص يحتاج مرة أخرى لإعادة تجديد هذا النفى وتأكيده، والإعلان بوضوح أن مصر لن تقبل ولن تسمح أبدا بمثل هذه السيناريوهات، التى يثير تكرار الحديث عنها قلقا مشروعا وواجبا ومستحقا، فالدعم الواجب والمؤكد لتطهير سيناء من الإرهاب هو مقدمة لتنمية سيناء وتعميرها.

 

أما الجانب الرابع والذى لا يقل أهمية عن كل ما سبق، فهو إدراك أن الإنجاز الذى ننتظر تحقيقه بأيدى القوات المسلحة فى سيناء بتطهيرها من بؤر التجمعات الإرهابية، وبالذات فى ذلك التوقيت الذى يأتى بعد أحاديث متكررة عن احتمالات توافد أعداد من الإرهابيين الهاربين من هزائم داعش فى سوريا والعراق، وعلى أهمية ذلك الإنجاز المنتظر إلا أنه أبدا لن يكون بديلا عن ضرورة مراجعة الكثير من الملفات الأخرى، سواء فى ما يتعلق بملف مواجهة الإرهاب نفسه، عبر خطوات أكثر جدية وفاعلية فى مساحات المواجهة السياسية والاجتماعية والفكرية مع التطرف، أو غيره من الملفات، وعلى رأسها ملف الحريات العامة والديمقراطية والسياسة بشكل عام، خصوصا فى ظل ما انتهى إليه مشهد الانتخابات الرئاسية المقبلة من تنافس شكلى يكاد يكون معدوما، وهو ما يستدعى بالضرورة، خصوصا مع ما هو متوقع من تقدم كبير على صعيد المواجهة الأمنية والعسكرية مع الإرهاب فى ظل عملية سيناء 2018، أن يفتح الباب أمام استعادة مساحات للعمل السياسى والحريات العامة، مع تراجع التهديد الإرهابى الذى كان المبرر الرئيسى للتراجع فى هذا الملف على مدى السنوات الماضية.

 

مجددا فإن الاختلاف مع السلطة لا يمكن أن يكون مبررا أبدا للتراجع عن الدعم والتأييد الواجب للعمليات القائمة حاليا الموجهة ضد العناصر والتنظيمات الإرهابية، فضباط وجنود الجيش المقاتلين الآن هم تعبير حقيقى وأصيل عن كل مصرى ومصرية فى المواجهة ضد الإرهاب، لكن فى الوقت ذاته فإن ضمان استمرار المعركة ضد الإرهاب والنجاح فيها مرهون برسائل طمأنة واجبة للرأى العام، وبفتح مساحات جادة للحوار وتعدد الأفكار ووجهات النظر والرؤى فى ما يتعلق بمستقبل مصر ومسارها خلال المرحلة المقبلة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات