.

أسباب اختفاء الفلاح المصرى

Foto

وما مستقبل ثلاثة ملايين وستمئة ألف فلاح مصرى وأسرهم على المدى القريب؟


يؤكد كتاب «أزمة المجتمع الريفى فى مصر» للباحث حبيب عايب، أن اختفاء الفلاح المصرى بات محتومًا، والكتاب نقلته من الفرنسية إلى العربية منحة البطراوى، والصادر مؤخرًا عن المركز القومى للترجمة.


تعتبر أزمة المجتمع الريفى واحدة من التناقضات العديدة فى مصر المعاصرة، فى الوقت الذى تعد فيه الزراعة المصرية واحدة من المجالات الأكثر إنتاجية وكثافة فى العالم، إلا أن فلاحيها هم الأكثر فقرًا، حيث تشير التحليلات إلى أن من 50 إلى 80% منهم يعيشون تحت خط الفقر.


وسؤال الكتاب هو: وما مستقبل ثلاثة ملايين وستمئة ألف فلاح مصرى وأسرهم على المدى القريب؟ ما التطور التدريجى والآليات التى تحدد طبيعة وحجم التغيُّرات الراهنة فى الريف المصرى؟ فالأرض لا تمثل لفلاح وادى النيل، أو أى فلاح آخر، مجرد مساحة يجنى منها فى الأساس قوت يومه، إضافة إلى بعض الإيراد بشكل عرضى. فمن الأرض تأتى المنتجات التى يطعم منها أسرته ودوابه، ومنها يستمد كرامته ومكانته داخل الجماعة المحلية.


وتوضح الدراسات الميدانية والتقديرات المختلفة أن نحو 80% من الفلاحين يعملون بصفة مؤقتة أو دائمة خارج أرضهم، إما لدى فلاحين (أفضل حالاً) وإما فى الإدارة أو الخدمات أو التجارة. ويهاجرون إلى المدينة أو إلى الخارج.


فى الواقع هناك عدد كبير من الفلاحين المصريين يحاولون تلبية احتياجات أسرهم عن طريق البحث عن موارد للدخل من خارج أرضهم، حتى إن بعضهم ينجح فى تكوين رأسمال صغير يتيح له التوسع فى حيازته أو تمكينه من تحويل نشاطه السابق إلى نشاط آخر، فالأرض التى يفلحونها لم تعد تكفى لغذاء.

هكذا فإن البحث أو ممارسة نشاط خارج أرضهم هو رد فعل ضد فقر موجود أو محتمل أكثر من كونه بحثًا عن وسائل كمالية لتحقيق رغد الفلاحين.


وعلى الرغم من نمو ومضاعفة الاستثمارات الخاصة فى مجال الزراعة، كما زادت المنتجات الزراعية دون أن «تشد» الأرباح المتراكمة من أسر الفلاحين إلى أعلى، إذ اتفقت كل الدراسات الجادة على التأكيد أنها فى قلب عملية إفقار وعوز مستمرين، وبدلاً من إحداث انطلاق اقتصادى واجتماعى شامل، نجد أن تنمية أحد القطاعات الزراعية من خلال نظامَين أحدهما غنى وقوى والآخر فقير وهامشى، لا يمكن إلا أن يكون مصدرًا لعدم الاستقرار، لا سيما الاجتماعى والسياسى وأيضًا الاقتصادى. ولو لم يفلح النظام الأول فى شدّ الآخر إلى أعلى، فعلى الأرجح أن يتم العكس بما يتضمنه من فقد لرؤوس الأموال المستثمرة ومن أزمة اقتصادية شاملة.


الفجوة التى تتسع بين القطاعَين، بسبب تفاقم فقر صغار الفلاحين وتدعيم الزراعة الاستثمارية مجتمعين، إذن فجوة ذات طبيعة تؤدى صراحة إلى دفع بعض الضحايا للجوء إلى منازعات عنيفة ربما اتخذت مظاهر إما «إجرامية» وإما «سياسية».


ويرى حبيب عايب أن عدم العدالة فى ما يخص النفاذ إلى الأرض الزراعية يترجم مباشرة بنفس عدم العدالة فى مواجهة النفاذ إلى المياه، خصوصًا مياه الرى التى تفاقمت بشدة مع تطبيق القانون الزراعى 96- 1992 الذى حرر تمامًا سوق الأرض (الإيجار والبيع) وألغى نظام نقل الإيجار من الأب إلى الابن.

وهناك علامة لا جدال فيها: ارتفاع إيجار الأرض من 500 جنيه للفدان عام 1997 إلى أكثر من 4000 جنيه اليوم. وفى نفس الفترة نفسها تضاعف سعر الأرض إلى أربع وخمس مرات.


إلغاء الدعم على المكملات أثقل تمامًا تكاليف الإنتاج الزراعى وجعل حالة الأكثر عوزًا الاقتصادية ومن ثَمَّ الاجتماعية متفاقمة. نجد صغار الفلاحين الذين يتعذّر عليهم ضمان تكاليف الإنتاج يتزايد، فيتجهون للبحث عن دخل آخر خارج نطاق حيازتهم.


من جهة أخرى، تزايدت هذه المشكلات المختلفة بالتأكيد وتعقّدت بفعل سياق قومى يواكب مرحلة «تشابك» نموذجين للمجتمع: مجتمع تقليدى يحاول البقاء دون وسائل كثيرة، ومجتمع أو فلنقل مشروع مجتمع «حديث»، مظهره الأكثر سلبية هو الاضطراب الاجتماعى الدرامى الناتج عن قسوة تطبيقاته.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات