المضاربون فى بورصة الدين.. ما أهم أسباب ظهور الدعاة الجدد؟

Foto

كيف كان عمرو خالد أيقونة الدعاة الجدد فى مصر؟ ما أهم مبادئ وقواعد الخطاب الدعوى الذى يتبناه الدعاة الجدد؟


يوما بعد يوم، يدرك كثيرون، ممن رأوا فى ظهور الدعاة الجدد أملا فى تعزيز الدين فى نفوس الشباب، وترغيبهم فى محاسن الأخلاق، وتبسيط الدين بعيدا عن التعقيد وتشعب الآراء، أن أولئك الدعاة ليسوا إلا طائفة من المتكسبين بالدين، الذين يقولون ما لا يفعلون، وتتناقض أفعالهم مع أقوالهم، جملة وتفصيلا!

نتفق، تماما، مع الباحث الراحل، حسام تمام، الذى قال، فى أحد مقالاته، إن «عمرو خالد هو أيقونة الدعاة الجدد، وهو الأكثر تمثيلا للظاهرة»، ويُرجع الباحث الراحل أسباب تمدد وظهور وانتشار أولئك الدعاة إلى عدة أمور، أهمها تراجع الأزهر، وهو المؤسسة الدينية الرسمية، وتراجع أنماط التدين الحركى من خلال المواجهات مع الجماعات الإسلامية، فهؤلاء قدموا أنفسهم بشكل فردى مستقل من خلال التكوين الدينى العصامى، كما أنهم جمعوا بين التعليم الدينى والمدنى ما بين التجارة وفن «إدارة الذات» و«التطوير البشرى» وعلوم الإدارة الأمريكية، وغيرها، وبالتالى فهم يقدمون لونا دعويا جديدا يختلف تمام الاختلاف عن ذلك اللون التقليدى الذى درج عيه خطباء ووعاظ ودعاة الأزهر والأوقاف، وليس الاختلاف فى الشكل فقط، بل فى المضمون كذلك؛ فمما لا شك فيه أن خطاب أولئك الدعاة يعتمد، فى أجزاء كبيرة منه، على التسطيح والسذاجة، وسرد القَصص بصورة شعبوية لدغدغة مشاعر الشباب، على التخصيص، ولعل هذا فى حد ذاته ذكاء منهم؛ إذ إنهم يرومون تأسيس خطابٍ دعوى يشتبك مع عقلية الشباب الهشة التى تتململ من التعقيد، وتجنح، دائما، إلى تسطيح الأمور وتبسيطها، فالتدين الذى ينشده أولئك الدعاة، إنما هو تدين من نوع جديد، تدين يداعب المشاعر والأحاسيس والرغبات عند الشباب.
الأمر يشبه تماما السوق التى يتهافت فيها البائعون على ترويج سلَعهم وبضائعهم، ويبدو أن السلطة السياسية ترى فى أولئك الدعاة أملا لإلهاء وجر الشباب بعيدا عن الخطابات الإسلامية الراديكالية التى تبنتها جماعات الإسلام السياسى، والتنظيمات المتطرفة، وساعد على تمدد أولئك الدعاة أيضا أرباب الأموال والأثرياء الجدد، فهم كانوا فى حاجة إلى نمط دعوى جديد يتبنونه للخروج من «شرنقة» النمط القديم الذى لا يتسامح مع الثروات التى يشوبها المال الحرام، كما أن «ستايل» الدعاة الجدد كان مناسبا تماما للطبقة الثرية التى فتحت قصورها وبيوتها ونواديها لأولئك الدعاة، الذين كان على رأسهم عمرو خالد، الذى كان فى بداية تكوينه عضوا بجماعة الإخوان، ثم فارقهم، تنظيميا لا عقديا، ليمتهن الدعوة الجديدة القائمة على الاهتمام بالفرد ذاتيا، وإبعاده عن السياسة، وتبنى خطاب دعوى ترغيبى قوامه أن من تمسك بالدين فإن الله سيعوضه ويرزقه، ليس مالا فقط، بل سيرزقه ألوانا من العطايا والمكافآت المعنوية والروحية!
ويأتى الداعية الشاب معز مسعود «40 عاما» فى بداية موجة تالية لموجة عمرو خالد، وهو إن كان قد تلقى تعليما عاليا فى الجامعة الأمريكية، ويمتاز بصوت رائق ووسامة، بيْد أنه لا يختلف كثيرا فى منهجه الدعوى عن عمرو خالد، أستاذه وأيقونته، فخطابه يركز أيضا على الروحانيات والاهتمام بالخلاص الفردى، وعدم الخوض فى السياسة، إلا ما ندر، وترغيب الشباب فى الجوانب الروحية والإنسانية، لكن حالة «الفصام» والانفصال عن الخطاب الدعوى، جعلت هذا الداعية مثار انتقادات كبيرة على صفحات التواصل الاجتماعى، طوال الأسبوع الماضى، بسبب إعلان زواجه من إحدى الفنانات، وهو الزواج الثالث له خلال فترة قليلة، وبالطبع لم تكن الانتقادات للزواج فى حد ذاته كرباط اجتماعى، بل انصبت الانتقادات حول حالة «الفصام» التى كشفته، فهو فى أحاديثه ما فتئ يحذر الشباب من الارتباط بالمرأة المتبرجة، وهو ما فتئ يدعو الفتيات والنساء إلى «الحجاب» والاحتشام، وهو وهو، فإذا به يفعل عكس ما يدعو إليه، وهو ما أفقده كثيرا من جمهوره خلال أقل من أسبوع، ودلل على أن أولئك الدعاة الجدد ليسوا سوى طائفة من رجال أعمال دينيين يقدسون لقيم السوق، ويؤسسون نمطا من التدين «النيوليبرالى» الذى لا يقطع علاقاته مع النص التراثى والتمثيل المثالى للأسلاف، لكنه يدمج ذلك كله فى صورة جديدة تستثمر أدوات ومعطيات العصر الحديث، لكنها للأسف تبقى مشوهة!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات