.

أمريكا أولًا.. أمريكا مكروهة.. أمريكا وحدها

Foto

كيف أهان ترامب رئيسة وزراء بريطانيا؟ هل يريد ترامب انهيار النظام الليبرالى العالمى؟


 

ترجمة: أميرة جبر عن «نيويورك تايمز»

 

تستحق بعض المناسبات شبه المنسية أن نُحييها، فمنذ مئة عام -فى «يوم الباستيل» عام ١٩١٨- قتل كوينتن، أصغر أبناء ثيودور روزفلت، فى قتال جوى فى «معركة مارن الثانية»، وبعد ٢٦ عامًا، مات تيد، الأخ الأكبر لكوينتن، أيضًا فى فرنسا فى أثناء مشاركته فى عمليات «شاطئ يوتا» ضمن «إنزال نورماندى».

كوينتن وتيد مدفونان جنبًا إلى جنب فى المقبرة والنصب التذكارى لنورماندى الأمريكية فى بلدية كولفيل سور مير. إنه مشهد مؤثر لجميع مَن ما زالوا يؤمنون بالقضية التى قاتلا وماتا، وقاتل ومات إخوتهم فى السلاح من أجلها.. فوق كل شىء فكرة وإمكانية وحماية عالَم حر ترسيه وتلهمه أمريكا، ولكن لا يكون تابعًا لها.
وفى قول آخر، الأشياء التى أمضى دونالد ترامب رئاسته فى التسفيه منها تحت راية «أمريكا أولًا» الدنيئة تاريخيًّا.
ووصل التسفيه إلى شىء من الذروة هذا الأسبوع بنوبة غضب الرئيس الموجعة ضد ألمانيا فى قمة الناتو ببروكسل، والتى تبعتها إهانة بلا سبب لرئيسة الوزراء البريطانية «تيريزا ماى» من خلال حوار مع صحيفة شعبية مملوكة لروبورت موردوك. ربما التالى أنه سيقترح إعادة ضَم فلاديمير بوتين إلى مجموعة الـ٧.  إلا أنه قد فعل ذلك فى كندا منذ أكثر من شهر بالتزامن مع شنّه حربًا تجارية مع كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبى.
ما الذى سيحققه كل هذا؟
بلا شك، فقط ما ينتوى ترامب: انهيار النظام الدولى الليبرالى، وذلك فى كل من التزامها المحفز للمجتمعات المفتوحة ومؤسساتها الدولية المميزة -مجموعة الـ٧ والناتو والاتحاد الأوروبى ومنظمة التجارة العالمية- وبالنظر إلى الأمور من هذا المنطلق سنجد أن سلوك الرئيس ليس نتاج -أو ليس مجرد نتاج- شخصية معيبة، بل نتيجة أيديولوجية عنيدة.
وينبغى أن يكون كل هذا واضحًا من أسلوب تفاوض الرئيس، والذى يضمن كما هو عليه إثارة الرفض.
ومن الإنصاف أن نتوقع من أعضاء الناتو الآخرين أن ينفقوا نسبة أكبر من ناتجهم المحلى الإجمالى على الدفاع، ومن الإنصاف أيضًا أن نتوقع منهم الوصول إلى حد الـ٢٪ فى وقت ما أقرب من عام ٢٠٢٤. وليس من الإنصاف أن نطالبهم، كما يفعل ترامب، بالوصول إلى الـ٢٪ بحلول يناير، ثم رفعها إلى ٤٪.
ومن الإنصاف القول إن الولايات المتحدة تستطيع استخدام نفوذها للتفاوض على صفقات تجارية أكثر استفادة، وليس من الإنصاف الإصرار على تنازلات تجارية واهية سياسيًّا، يعلم أن الدول الأخرى لن تقوم بها -بند «غروب الشمس» فى اتفاقية «نافتا» مثالًا- حتى يدمر هذه الاتفاقيات بشكل نهائى بينما يلوم الجانب الآخر.
ومن الإنصاف القول إنه سيكون من الصعب على بريطانيا التفاوض على اتفاقية تجارة مستقلة مع الولايات المتحدة إذا أبقت على قواعد الاتحاد الأوروبى لتجارة البضائع. ولكن هدف ترامب ليس إدارة دفّة ماى عبر الخروج من الاتحاد الأوروبى، بل هدفه إسقاط حكومتها واستبدال بوريس جونسون بها؛ لأن وزير الخارجية السابق «من الواضح أنه معجب بى ويقول أشياء جيدة جدًّا عنى».
وفوق كل شىء، من الإنصاف أن نهزم ونتملق ونتعارك مع حلفائنا الرئيسيين بمنأى عن الأنظار، ولكن ترامب عازم على إحراجهم علنًا، ويجبرهم على الاختيار بين أن يصبحوا أعداءً أو تُبعًا، أن ينفصلوا أو يتملقوا. وهذا -بلا شك- يروقه، فـ«أمريكا أولًا» تعنى أمريكا مرهوبة، ولكنها تعنى أيضًا أمريكا مكروهة، ومكروهة بمبرر. أين الجانب الجيد فى ذلك؟
بالنسبة لترامب، الجانب الجيد هو استبدال نظام غير ليبرالى بنظام ليبرالى على أساس من الأوهام عن السيادة والجنسية والدين والعرق. تلك هى نفس الأوهام التى طالما جعلها فلاديمير بوتين أوهامه، الأمر الذى يساعد فى تفسير انجذاب ترامب إلى نظيره الروسى وانزعاجه من أن تحقيق روبرت مولر «يضرّ علاقتنا بروسيا كثيرًا» كما علّق يوم الجمعة.
كما يفسر ازدراؤه العلنى للديمقراطية الأوروبية المعاصرة وجهوده لاستبدال شىء أكثر ترامبوية بها رهابًا للأجانب وحمائية وعدوانية. هذه هى أوروبا ألكسندر جاولاند فى ألمانيا، ومارين لوبان فى فرنسا، ونايجل فاراج فى بريطانيا، وفيكتور أوربان فى المجر، وياروسلاف كاتشينسكى فى بولندا، وماتيو سالفينى فى إيطاليا.. ولاحظ أن آخر ٣ فى السلطة.
لابد أن يكون كل هذا مشبعًا لإحساس ترامب بأهميته التاريخية. بالنسبة لأمريكا، إنه دمار تاريخى، فالولايات المتحدة تستطيع أن تقود العالم فقط إذا كان مستعدًّا لأن يتبعها.
ولكن ما الذى يتبعه؟ ليس قواعد التجارة التى وضعتها أمريكا ذات مرة، ولكن تزعم الآن أنها معدة ضدها. وليس المُثُل الديمقراطية التى جسدتها أمريكا ذات مرة، لكن تتعامل معها الآن بازدراء. وليس مثال قتال المتنمرين بعد أن أصبحت واحدة منهم.
وسيناسب هذا الأمريكيين الذين لطالما بدت لهم فكرة العالم الحُر تجريدية بعيدة، وسيناسب الأوروبيين الذين تعود معاداتهم لأمريكا لعقود قبل ظهور ترامب، وسيناسب -بالأخص- بوتين الذى يعلم أنه بوقوف أمريكا لمصالحها أولًا ستقف -وتسقط- وحيدة. وبالتأكيد، الموتى فى كولفيل سور مير قاتلوا من أجل شىء أعظم من ذلك.

 

...

 

بريت ستيفنز
انضم إلى «نيويورك تايمز» ككاتب أعمدة عام ٢٠١٧، بعد مسيرة مهنية طويلة مع «وول ستريت جورنال» إذ كان نائبًا لمحرر صفحة الرأى، وكاتب عمود متخصصًا فى الشؤون الخارجية، وقبل ذلك كان رئيسًا لتحرير «جيروسالم بوست».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات