.

«حرب كرموز».. محاولة هزلية لصُنع فيلم عظيم

Foto


من بين أفلام موسم عيد الفطر جاء فيلم «حرب كرموز» قصة محمد السبكى، وسيناريو وإخراج بيتر ميمى، ليكون هو الحصان الرابح فى سباق الإيرادات، معتمدًا على الوفرة والبذخ الإنتاجى، فالفيلم تدور أحداثه فى فترة الأربعينيات خلال الاحتلال البريطانى لمصر حول البكباشى يوسف المصرى «أمير كرارة» مأمور قسم كرموز الذى يواجه القوات البريطانية التى تحاصر القسم بعد رفضه تسليم ثلاثة من المصريين المتهمين بقتل وخطف جندى بريطانى، وذلك بعد اغتصاب الجنود البريطانيين فتاة مصرية. لكن هل الإنتاج الضخم وشباك التذاكر مع تقديم توليفة من مشاهد الأكشن المتناثرة طوال الفيلم يُعد مؤشرًا لجودة وجدية الفيلم؟


عالم من ورق
اختار السيناريو أن يبدأ مباشرةً فى الدخول فى قلب الأحداث ونبتة الصراع لينجذب المُشاهد من الوهلة الأولى لما يجرى أمامه، فالبداية مع مجموعة من المصريين الموجودين فى قاع إحدى السفن الرابضة على الشاطئ، وهم يبثون شكواهم من الأوضاع الصعبة التى تُعانيها البلاد دون أن نفهم ما هذه الصعوبات؟ فقط حوارات مبتورة لا تُقدم استهلالًا كافيًا، ثم يتقاطع هذا الحوار مع مشهد آخر للجنود البريطانيين فى أثناء اغتصابهم فتاة مصرية، لتسمع مجموعة المصريين صراخ الفتاة المُستغيث، ويبدأ شجار بين الطرفين، ينشأ على أثره مقتل أحد الجنود وأسر آخر. كل ذلك يبدو جيدًا، لكن السيناريو الذى انشغل بمَشاهد الصراع والمعارك بين الطرفين أغلب مدة الفيلم، أغفل بناء وتأسيس العالم أو البيئة التى تُحيط بالشخصيات، وبالتالى بدَت الصورة العامة والإحساس بأننا فى زمنٍ ما مُغاير لواقعنا المعاصر، يبدو منقوصًا وهشًّا، وبالتالى أثر ذلك فى العالم المُحيط بالشخصيات.
«يوسف المصرى» يبدو من شخصيته اعتداده بذاته وبرجولته، فى بداية الفيلم يصفع شقيقتَيه على سبيل الدعابة فى سماجة واضحة، ويخبر إحداهما «إيمان العاصى» بأنه سيُزوجها بضابط، وكأنه حصر الرجولة فى شخص الضابط فقط. ثم ننتقل معه إلى عمله لنجده يرفض توقيع تصريح ممارسة البغاء لبائعة الهوى «زوبة/ غادة عبد الرازق» فى انتهاك صريح لصميم عمله، مُبررًا ذلك بأن والده لم يُعلّمه ذلك، مُصدرًا حكمًا أخلاقيًّا على بائعات الهوى بشكل فج، ينم عن هوس أخلاقى دينى يدعو لتأمله. ثم يستكمل السيناريو باقى مشاهده لرسم الشخصية، فنجد اللص «عصفورة/ مصطفى خاطر» يُخبر أحد زملائه المحجوزين معه فى القسم بأن الضابط يوسف المصرى يتمتع بالشهامة والرجولة، وغيره من المَشاهد التى تُخبرنا على لسان الشخصيات بشهرة «المصرى» وبطولته التى يعرفها الجميع، دون أن نراها فعليًّا، فما نراه فقط محاولة تلقين ضمنى ببطولة الشخصية، بينما لا نشعر بالفعل ببطولتها، حتى الشظية التى انطلق منها السيناريو ليخلق منها بطلًا شعبيًّا أو أسطوريًّا تبدو بقليل من التأمل ليست بطولة حقيقية تستحق التحية والإطراء، فكيف لبطل أن يتسبب فى تدمير حى بالكامل وسقوط ضحايا هو بالتأكيد مسؤول عنهم.
الشخصية الأخرى «عزت الوحش/ محمود حميدة» يجلس بداخل الحجز فى هدوء وثقة، يتبادل الدعابة مع أقرانه من المجرمين فى فكاهة ولا مبالاة، ويتحاشى كل مَن بالقسم التعامل معه، ليبدو لنا مجرمًا عتيدًا أو أحد آكلى لحوم البشر، ففى أحد المشاهد يُخبر «يوسف المصرى» أحد الضباط بأنه المسؤول عن نقل الوحش بنفسه إلى سراى النيابة، لكننا نفاجأ بالقُرب من نهاية الفيلم بأن هذه الشخصية ليست إلا ضابطًا سابقًا رفض الاستسلام خلال الحرب العالمية الثانية، فتعرض للسجن بتهمة العصيان. وهذا يدفعنا للتساؤل: ما الذى جرى للشخصية حتى تتحول إلى ذلك الكائن الهلامى، كل ما يفعله أن يقول فى بلاهة: «أمك صاحبتى»؟ كما أن احتجاز الوحش فى القسم غير صحيح من الناحية القانونية، لأنه طبقًا للقانون العسكرى يخضع المتهمون للتحقيق والمحاكمة العسكرية، لكن السيناريو الذى جنح إلى الاستسهال لم يهتم بهذه النقطة الجوهرية التى تُزعزع وجود الوحش أساسًا فى هذا المكان، ما يهم هو التقاء الشخصيات لتنشأ نقطة صراع، دون الاهتمام بخلق بيئة مناسبة ومنطقية له.
الضابط المجنون «سكوت أدكنز» نراه فى مشاهد معدودة وهو فى السجن، يبدو عليه التوتر الدائم والعصبية، لا ندرى ما تهمته على وجه الدقة؟ ولماذا تمت تسميته بالضابط المجنون؟ حتى اسمه لا نعرفه، يبدو ذا قدرة بدنية خارقة، هل هذا السبب فى إطلاق ذلك اللقب عليه؟ فقد تم تقديم الشخصية باعتبارها المُخلص لدى البريطانيين، كل ذلك دون بناء للشخصية بشكل يجعلنا نُدرك مَن هى بالضبط؟ ولماذا سُجن؟ فجأة يستعين به الجنرال «فرانك آدامز/ فؤاد شرف الدين» عندما يفقد القدرة على السيطرة على المعركة التى يديرها ضد يوسف المصرى، لنراه يخرج من إحدى السيارات العسكرية نافضًا عنه السلاسل الحديدية مثل الغوريلا الهاربة للتو من حديقة الحيوان، ليبدأ القتال بالملابس الداخلية ومن دون سلاحه، فكيف لضابط يُفرَج عنه حديثًا يذهب إلى المعركة بهذه الهيئة؟ وكأن صناع الفيلم قرروا الاستعانة بـ«أدكنز» ليؤدى بضعة مشاهد حركة وكأنه داخل حلبة مصارعة، كل ذلك جذبًا للإيرادات واستنادًا إلى شهرة «أدكنز» ليؤدى ما يُجيده من مشاهد حركة لا تمُت للحروب بصلة، ولا يهم شىء آخر، أو أى تساؤل عن ماهية الشخصية قد يطرأ على ذهن المتفرج.

العناصر الفنية والإخراج
يبدو بيتر ميمى مُتأثرًا بشدة بالسينما الأمريكية، وهذا ليس عيبًا فى حد ذاته، فكثير من المخرجين تأثروا بنماذج سينمائية أو بمخرجين عالميين، لكن عندما نجد أن بعض المشاهد تكاد تكون منقولة حرفيًّا من بعض الأفلام الأمريكية فهنا نصبح أمام مُشكلة ما تستحق الوقوف عندها؛ مثل مشهد ظهور عزت الوحش لأول مرة وهو يرقد داخل غرفة الحجز مُحاطًا بالظلام الذى يُغلف جسده ولا يبين منه سوى وجهه، يكاد يكون منقولًا من فيلم «صمت الحملان» الذى أخرجه المخرج الأمريكى «جوناثام ديم» عام 1991، عند الظهور الأول لبطل الفيلم «أنتونى هوبكينز».
كما أن مشاهد الأكشن الكثيرة، سواء بداعٍ أو دون داعٍ جذبًا للجمهور، أثرت سلبًا على الدراما، فقد تم تقديمها على حساب السرد وبناء الشخصيات الذى بدا باهتًا ويعانى خللًا ما، فلم تظهر سوى ببُعد واحد، لا نُدرك شيئًا من حياتها وتاريخها حتى يتسنى لنا التعاطف معها أو الوقوف ضدها.
منذ المشاهد الأولى والموسيقى التصويرية تكاد لا تتوقف لحظة واحدة، سواء فى المشاهد الميلودرامية أو الأكشن، وكأنها عامل مساعد يعوّض ضعف الأداء التمثيلى، فبدت مُفتعَلة ومُقحمة فى كثير من المشاهد، فبعض المشاهد لا تحتاج إلى كل هذا الشحن الموسيقى، كما أن بعض المقطوعات بدت مقتبسة حرفيًّا من بعض الأفلام؛ مثل فيلم «الرقص مع الشيطان» التى وضعها الموسيقار سامى الحفناوى عام 1993.
بدا الفيلم ككل مُغلفًا بطبقة كثيفة من الاستسهال، بدءًا بمضمون الفيلم الذى يرى أن الجميع يحوى بداخله نبتة أصيلة طيبة، حتى الموالون للاحتلال نجدهم فجأة يتبدلون ونكتشف وطنيتهم دون وجود مُبررات درامية تجعلنا نُصدق تحوّلهم المفاجئ. وأيضًا نهاية الفيلم غير المنطقية، فكيف لضابط بعد تعرضه لمحاكمة عسكرية وإدانته، نجد القاضى «أحمد السقا» يُبادله الحديث بكل بساطة، بل ويُخبره بأنه سيبدأ من جديد باسم وحياة أخرى؟ ليبدو التأثر بفيلم «مافيا» واضحًا بشدة، وكأننا أمام فيلم هزلى فاقد لأى رابط منطقى! كما أن السيناريو احتوى على خطأ تاريخى لا يُغتفَر، إذا أخذنا فى الاعتبار تصريح بيتر ميمى بأنه قرأ عدة مراجع عن هذه الفترة وشاهد أكثر من خمس عشرة ساعة وثائقية، فالفيلم أغفل أن الإسكندرية لم يكن بها أى جندى بريطانى طبقًا لمعاهدة 1936، فقد اقتصر وجود القوات البريطانية على مثلث القناة فقط حمايةً لقناة السويس.

كلمة أخيرة
صناعة فيلم أكشن ليست بالصعوبة التى قد يظنها البعض، لكن المعضلة الحقيقية تكمن فى كيفية تقديم ذلك بشكل يحترم عقل مشاهده، ويتعامل معه باعتباره متفرجًا ناضجًا وليس كطفل سيسعد ببضعة مشاهد وانفجارات هنا وهناك، دون تضمين ذلك بمحتوى يستحق التأمل والوقوف عنده، وبالتالى سقط فيلم «حرب كرموز» فى فخ الاستسهال والسذاجة والمباشرة، ليبدو الفيلم باعثًا على الضحك المشوب بالرثاء.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات