نكبة قاضى القضاة «ابن بنت الأعز»!

Foto

لماذا لم يتواكب الفصل بين السلطتين الدينية والزمنية فى التاريخ العربى مع بزوغ الحكم الديمقراطى ونهاية نظرية الحق الإلهى؟ هل استغل السلاطين أطماع الفقهاء والعلماء وحقدهم على بعضهم لاضطهادهم وتحقيرهم؟


لم يتوافق الفصل بين السلطتين الدينية والزمنية فى التاريخ العربى مع بزوغ عصر من الديمقراطية وحكم الشعب وفكرة المواطنة والعقد الاجتماعى والدساتير والحقوق والحريات، لذلك ظل الفصل بين السلطتين فى مجتمعاتنا شكليا وبقى حكم الفرد المتملك والمهيمن على زمام السلطات الدينية والدنيوية يضرب بجذوره فى نظرية الحق الإلهى، وكان للحاكم سواءا كان خليفة أو أميرا أو واليا أو قائدا أو سلطانا -بل وقاضيا وفقيها وشيخ حارة ورب أسرة- حقوق سمع وطاعة مقدسة ظُن أن القرآن الكريم يخص بها «ولاة الأمر».

لم يتمثل الفصل بين السلطتين الدينية والزمنية فى العالم العربى -منذ بدايته- إلا فى فصل شكلى بين نفوذ الخليفة الذى استأثر -شكليا- بالسلطة الدينية، وبين نفوذ السلطان (القائد العسكرى صاحب السلطة الفعلية) وريث كل سلطات الخلافة الدينية والدنيوية، الدنيوية من خلال هيمنته على العسكر والجيوش، والدينية من خلال هيمنته على شخص الخليفة الذى تحول إلى ألعوبة فى يد السلطان، رغم أن الخليفة كان هو من يفوض فى الظاهر سلطاته له. أما أسباب هذا الفصل فلم تكن -كما فى حالة المجتمعات الأوروبية- مرتبطة بالتطور الاجتماعى الذى حققته، وإنما كان بهدف تجاوز الشرط الفقهى المتعسف بخصوص أصل الخليفة العربى القرشى من جهة، وخضوعا لواقع ألقى بمقود السلطة (قيادة الجيوش) على شاطئ مقاتلين قبائليين ومماليك استعانت بهم بيوت الخلافة فى البدء لحمايتها.
لكل هذه العناصر مجتمعة امتد اضطهاد العلماء والفقهاء والكتّاب والفلاسفة والمتكلمين والأدباء -أى كل من له علاقة بشؤون الرأى وإنتاج الأفكار- من أيام الخلفاء إلى زمن السلاطين من دون أى تغيير يذكر، ولكل هذه العناصر مجتمعة كذلك كتب «المقريزى» فى مدونته التاريخية الشهيرة «السلوك لمعرفة دول الملوك» فى نفس الشهر الذى بدأ فيه الاضطهاد المرير لقاضى القضاة وشيخ الشيوخ الوزير الفقيه «تقى الدين ابن بنت الأعز»، وهو شهر رمضان من سنة 690هـ ما يلى: «فى خامس عشرى رمضان أفرج السلطان الأشرف قلاوون عن الخليفة الحاكم بأمر الله بن الإمام المسترشد بالله العباسى، ورسم له أن يخطب فى يوم الجمعة»! ويقول «المقريزى» إن الخليفة عندما فرغ من خطبة مكررة، كان خطب بها منذ ثلاثين عاما! لم يصل بالناس إماما، ومفهوم أن ذلك حدث لأن الأمر السلطانى للخليفة رسم له بالخطبة فقط دون إمامة الصلاة! أما من قام بإمامة الناس فى الصلاة فكان قاضى القضاة «بدر الدين بن جماعة» الذى شغل منصب «ابن بنت الأعز» بعد عزله وقبل نكبته.
وقائع نكبة قاضى القضاة كما يوضح «المقريزى» تبدأ بمشهد الخصومة بينه وبين مملوك من مماليك السلطان ووزيره «ابن السلعوس»، والذى بعد أن علم بقرار «الأشرف قلاوون» تولية «ابن بنت الأعز» قضاء الشام بدلا من قضاء القاهرة، خشى أن يبقى له حاله وتتعزز سلطته ويتمكن فى الدولة، يقول المؤرخ: «فلما جلس السلطان بدار العدل رسم لابن سلعوس أن يجهز ابن بنت الأعز قاضيا لدمشق، ويعنى بتشريفه ويكتب تقليده، فما انفصل مجلس دار العدل حتى أحضر الشريف ابن ثعلب وادعى على ابن بنت الأعز بما قرره معه الوزير ابن السلعوس قبل ذلك، وكان قد جهز آخر ليفتى بتعزيره، وآخر ليشهد بفسقه. فانتدب السلطان لمرافعته جماعة رموه بعظائم الأمور بغيا منهم وعدوانا، منها أنه يشد الزنار من تحت ثيابه، وأنه نصرانى وما زال، حتى رسم السلطان أن يركب حمارا ويشهر، فقبض عليه الوزير ونكّل به، وطالبه بمال كثير، وشنع فى إهانته».
ولا يفوق غرابة تصديق السلطان أقوال «شهود» فى أمور مثل الفسق وارتداء زنار تحت الثياب بمثل هذه السهولة، إلا غرابة أن يصدق ذلك فى شخص ولَّاه واختبره بنفسه ولسنوات عديدة فى جملة وظائف تبلغ 17 وظيفة من أخطر وأجلّ الوظائف، وقد اجتمع له أكثرها فى وقت واحد، منها: قاضى القضاة وخطابة الجامع الأزهر ونظر الخزانة ونظر الأحباس (وزارة الأوقاف) ومشيخة الشيوخ وعدة تداريس كالتدريس فى مسجد الشافعى والمدرسة الصالحية وغيرها. وعلى كل حال فإن السلطان -مطلق السلطة- الذى تسامح بسرعة فى سجن وإهانة وتجريس وتغريم عالم وشيخ جليل مثل «ابن بنت الأعز»، تسامح معه بسرعة أيضا عندما توسط بعض الأمراء من مماليكه فى العفو عنه، فألزمه بالإقامة فى زاوية منعزلة خارج القاهرة ريثما باع ورهن واقترض ليقوم بما قرر عليه من غرامات مالية تبلغ ثمانية وثلاثين ألفا كما يقول «المقريزى». هذا القدر الضخم من المال يصلح ليكون سببا وجيها لسهولة تصديق السلطان ثم لسهولة تسامحه مع وزيره وقاضى قضاته ومفتيه. لكن كل ذلك -وللأسف- لم يكن غير وقائع المحنة الأولى التى تعرض لها شيخ الشيوخ فى زمن سلطنة السلاطين واستخلاف الخلفاء.
بدأت المحنة الثانية لـ«ابن بنت الأعز» حسب «المقريزى» بنجاح وساطة جديدة لدى السلطان -قام بها الأمير المملوك «بدر الدين بيدرا»!- فى إسناد التدريس بالمدرسة الناصرية التى تقع بجوار ضريح الإمام الشافعى له. وكما يمكن أن يتوقع حركت عودة الفقيه للحياة العامة من جديد حقد عدوه وحذره منه، ولم يكن مر على محنته الأولى سنة 690 غير أقل من عام واحد، لذلك أتى فى أخبار سنة 691هـ ما يلى: «ندب الوزير ابن السلعوس العلم ابن بنت العراقى لمرافعة تقى الدين ابن بنت الأعز، وعقد له مجلس وادعى عليه العلم المذكور بعظائم، فاستمر فى المحنة بقية السنة»! لم يتطلب إذن إدخال الفقيه القاضى فى محنته الثانية غير تجديد الاتهامات «العظيمة» -التافهة فى الواقع- التى أدخلته فى محنته الأولى! ولم تنته محنة القاضى الفقيه عندما تجددت بنفس وقائع الحبس والإهانة والتجريس والتغريم سوى نهاية حزينة مهينة، فى السنة التالية 692هـ حيث أورد فيها «المقريزى» خبرا مفاده: «وفى أول شهر رمضان أفرج عن تقى الدين ابن بنت الأعز، بعدما اشتد به البلاء واعتقل فى سجن الحكم وتوعد بالقتل، فعاد إلى بيته بالشافعى من القرافة، ومدح ابن السلعوس بقصيدة أراد إنشادها بنفسه، فحلف الوزير عليه فأنشدها أخوه علاء الدين»! وليس مستغربا بعد هذه القصيدة المذلة أن يقول «المقريزى»: «ثم ثبتت براءته مما رُمى به وتوجه إلى الحج مع الركب»!
الحضور المريب لشخصيات دينية وفقهية -مثل الشريف ابن ثعلب وابن بنت العراقى- قامت بأدوار مخجلة ولا أخلاقية فى قصة محنة واضطهاد قاضى القضاة، لا يكافئه غير الغياب المريب لذكر أى اعتراض صدر عن علماء أو فقهاء أو أزهريين ضد الظلم والإهانة والتشهير الذى لحق بشخصية فقهية كبيرة مثل «ابن بنت الأعز». ومن الظاهر أنه لا محل لسؤال كهذا فى ظل حاكم يتمتع بالحق الإلهى وسلطاته الدينية غير المحدودة والدنيوية المطلقة، وهى سلطات لم تكن تسمح لمن يعيشون فى ظلها بغير التحلل الخلقى والانحطاط السلوكى والتردى الغريزى فى صمت وتذلل. وهو ما يمكن أن يلمسه قارئ محنة «ابن بنت الأعز» فى هذه السطور التى وصفت طريقة اختيار «ابن جماعة» الذى ورث منصب قاضى القضاة، يقول «المقريزى»: «خرج البريد فى يوم تاسع رمضان بطلب بدر الدين بن جماعة خطيب القدس ليلى القضاء بمصر، وكان السبب فى طلبه أن ابن بنت الأعز لما عُزل استدعى السلطان أعيان الفقهاء الشافعية بمصر والقاهرة، وجعل كل واحد فى مكان، فلم يعلم واحد منهم بالبقية، وأحضرهم واحدا واحدا، وسأله عن جماعته من يصلح فيهم لولاية القضاء، فما منهم إلا أساء القول فى أصحابه ورماه بما لا يليق، فانصرفوا وقد انكف السلطان عن ولايتهم، وأعلم وزيره ابن السلعوس بما قال بعضهم فى حق بعض من الفحش»!
إنه كابوس استبداد الحكم الدينى المطلق مجسما ولا أقل!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات