كرواتيا وفرنسا.. مباراة الإنسانية والبهجة

Foto

هل نرى رئيسًا عربيًّا يتعامل كما رئيسة كرواتيا؟ لماذا نتهكم على تجنيس اللاعبين ولا نتعلم احترام اللاجئين؟


يجلس الملايين أمام الشاشات للاستمتاع بنهائى البطولة الأهم والأبرز فى العالم، هذا المشهد الذى لن يتكرر إلا بعد 4 سنوات بالتمام والكمال، هذه البطولة التى أحدثت زخمًا لعشاق الساحرة المستديرة، وتسببت فى حالة من الشغف والانشغال والاستمتاع لدى الجميع، بمَن فيهم غير المهتمين بكرة القدم.

البعض يشجع فرنسا ويؤمن بقدرتها على حصد البطولة للمرة الثانية فى تاريخها، بينما يتضامن آخرون مع المنتخب الكرواتى الذى يستحق أن يعانق الكأس الذهبية، وفى أثناء النهائى الساخن الذى حُسِم لصالح فرنسا تأتى كاميرا المخرج على الرئيس الفرنسى الشاب إيمانويل ماكرون، ونظيرته الكرواتية كوليندا غرابار كيتاروفيتش، واقفَين على أعصابهما كما بقية المشجعين.. وهنا أدركت أن كثيرًا من الدروس المستفادة يجب أن نهتم بها.
فالمنتخب الكرواتى كتب على حافلة نقل لاعبيه شعار: «بلد صغير.. حلم كبير»، وبالفعل لم يكن مجرد شعار ولكنه تحوَّل إلى حقيقة باهرة استحقت تأييد وانبهار العالم كله، فرغم المساحة الصغيرة وعدد السكان القليل فعلت كرواتيا ما لم تفعله جمهورية الصين الشعبية صاحبة المليار نسمة، وما لم تفعله أيضًا الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الصيت والاقتصاد وصناعة السلاح.
كما أن الرئيسة الكرواتية كوليندا غرابار كيتاروفيتش، لم تهتم بقواعد الدبلوماسية أو البروتوكول وشجعت منتخب بلادها بمنتهى القوة فى مباراة دور ربع النهائى من المونديال خلال الأسبوع الماضى أمام روسيا، ولفتت أنظار المشجعين حول العالم بسبب تشجيعها اللافت للأنظار منتخبَ بلادها، فهى لم تتقيَّد بقواعد البروتوكول وارتدت زى المشجعين ولم تحرص على ارتداء الزى الرسمى خلال وجودها فى المقصورة الرئيسية.
سلوك الرئيسة الكرواتية المستنيرة لم يكن مصطنعًا أو شاذًّا، بل تناسب مع الصورة التى نشرتها على صفحتها الرسمية عبر «فيسبوك» فى أثناء سفرها إلى روسيا فى الأول من الشهر الجارى، لتتحول من رئيسة جمهورية إلى مواطنة عادية ترتدى زى منتخبها الوطنى وتسافر على متن الدرجة الاقتصادية، وتلتقط الصور التذكارية بترحاب مع المسافرين وطاقم الطائرة، وتثبت أنها ذاهبة كـ«أى مشجع لكرة القدم».
تفاعل الرئيسة كان مضاعفًا بعد نهاية المباراة، فعناقها لجميع اللاعبين وضحكتها التى لم تغب كانت أول رسالة تشجيع يستحقها أبناء المنتخب الكرواتى الطموح الذى استحق المكانة التى وصل إليها.
على الجانب الآخر.. فالرئيس الفرنسى لا يختلف كثيرًا عن الرئيسة الكرواتية، فماكرون صاحب الـ40 عامًا تلميذ الرئيس هولاند ذى الشعبية القليلة ووزير اقتصاده، والمصرفى السابق كان أيضًا يقود حركة شعبية، وهو أيضًا الوسطى الذى وضع خطة لتفكيك القطاع العام، ما جعله شخصية مثيرة نشيطة متناقضة تستطيع الوصول إلى حكم فرنسا فى فترة مهمة من تاريخها.
ولكن كانت السمة الغالبة لمنتخب فرنسا هى «تجنيس اللاعبين»، فالمنتخب الفرنسى يعد من أكثر المنتخبات التى تشارك فى كأس العالم وبطولة كأس الأمم الأوروبية (اليورو) بلاعبين مجنسين، فلا يمكن أن ننسى بطولة كأس العالم 1998 عندما فاز الديوك بها بلاعبين مجنسين، وتكرر الأمر فى هذه النسخة عندما حصدها مجددًا وفى قائمته 18 لاعبًا من أصول غير فرنسية.
معظم لاعبى المنتخب الفرنسى ينتمون إلى الدول الإفريقية، بل إن النجوم البارزين فى هذا المنتخب تعود أصولهم إلى دول إفريقية ليست ذات ثقل كبير كرويًّا، وعلى رأسها منتخب الكونغو الديمقراطية، وهذا أمر لا يثير السخرية أو النقد أو النفور، بل ربما يكون درسًا لكل الدول العربية من أجل حُسن معاملة اللاجئين وأبناء الجنسيات المختلفة.
والعلاقة بين الدولة وأبناء الجنسيات المختلفة ليست كما يصورها البعض «أحترمك ما دمت أستفيد منك»، بل هى قائمة فى الأساس على احترام قيمة الإنسانية، فعلى سبيل المثال فى مايو الماضى قرر الرئيس الفرنسى منح مهاجر غير شرعى من «مالى» الجنسية الفرنسية، وذلك بعدما تسلَّق مبنى سكنيًّا وأنقذ طفلًا كان على وشك السقوط من شرفة منزله. لم يكتفِ الرئيس الفرنسى بإعطاء المهاجر الإفريقى الأصل الجنسية، بل وجَّه بتعيينه فى قوات المطافئ، لقدرته الفائقة على التسلُّق.
وهذا الأمر ليس مقترنًا بالرئيس ماكرون فقط، بل هو عقيدة راسخة داخل دولة تحترم قيمة الإنسان، فعلى سبيل المثال والحصر فى 2016 قررت السلطات الفرنسية منح الجنسية لشخص مسلم من «مالى» أيضًا، وذلك بعدما أنقذ رهائن يهود من هجوم إرهابى على متجر يهودى، فهو خبَّأهم داخل الثلاجة وطالبهم بالتزام الهدوء ثم هرع لطلب المساعدة.. هذه هى الإنسانية التى لا تميِّز اللون أو الدين أو العِرق أو الجنس.. وهذه هى فرنسا التى تحمل كأس العالم للمرة الثانية فى تاريخها.
سلام على كأس العالم وما يرسيه داخلنا من قيم إنسانية وسعادة ومتعة، سلام على مشهد نهاية يليق بتنظيم ممتاز لبطولة رائعة فنيًّا.. دعونا ننظر إلى العالم ونتعلم منه ما نفتقده كعرب ودول عالم ثالث.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات