ارحموا مصر من الوزراء الموظفين.. هل تعرف وزيرة الصحة معنى الانتماء الوطنى؟

Foto

لماذا قُوبل قرار وزيرة الصحة بإذاعة السلام الجمهورى فى المستشفيات بالسخرية؟


يبدو أن الدكتورة هالة زايد «51 عامًا»، وزيرة الصحة الجديدة فى حكومة الدكتور مدبولى، لا تريد تفويت فرصة انتقادها يومًا بعد يوم، كما يبدو أن تلك الوزيرة من ذلك النوع الذى يهوى الظهور والبروباجندا والاتكاء على المظاهر والشكليات الزاعقة فقط، فقد حرصت بعد عشرة أيام من توليها مسؤولية وزارة الصحة على زيارة رؤساء الهيئات الدينية فى مصر، حضرة مولانا شيخ الأزهر وحضرة قداسة بابا الإسكندرية، ثم هاهى ذى تُصدر قرارًا وزاريًّا بإذاعة السلام الجمهورى وقسَم الأطباء كل صباح فى المستشفيات الحكومية والوحدات الصحية، بهدف «تعزيز الانتماء الوطنى» و«التذكير بالقيم والمبادئ وثقافة الأخلاق»، حسب تصريحات المتحدث باسم وزارة الصحة تعليلًا ودفاعًا عن قرار الوزيرة الذى قُوبل بالغمز واللمز، والتنكيت والتبكيت، والسخرية من جميع المصريين وليس من روّاد السوشيال ميديا فقط!

دَعك -عزيزى القارئ- من مصطلح «ثقافة الأخلاق» الذى تعلل به المتحدث باسم وزارة الصحة، فأنا -والله- لم أفهمه، ولم أحاول بالأساس أن أفهمه، لأن الموضوع كله ينمّ عن قصور سياسى ومعرفى، ويضرب شرعية وجود هذه الوزيرة فى مقتل، فمما هو ظاهر أن لديها قصورًا بالغًا فى ترتيب الأولويات وأبجديات عمل الوزير، ولا سيما فى وطن كمصر، يرزح تحت نِير مشكلات لا حصر لها، كما أن لديها خواءً سياسيًّا يجعلها لا تُدرك أن التعامل مع منصب حساس كمنصب الوزير يختلف تمامًا عن التعامل مع أى منصب تولّته فى السابق، ولا أدَل على ذلك من الكتاب الذى أصدرته تلك الوزيرة حاملًا قرارها الغريب، ففى سطره الأول تأتى عبارة أقل ما تُوصَف به أنها لا تصلح إلا تمهيدًا لموضوع «إنشاء» يكتبه طالب «بليد» أو طالب «حافظ مش فاهم!»، فالعبارة تقول: «إيمانًا منّا بالدور الذى تقوم به المنشآت الصحية فى خدمة مصرنا الغالية، وما يتوجّب علينا جميعًا أن نسهم إسهامًا فاعلا بما يتفق مع قيمنا وتوجهاتنا!»، ولا أدرى لماذا استنكف كاتب صيغة القرار من الإشارة إلى أن المنشآت الصحية بالأساس إنما تُقدّم خدماتها الطبية والعلاجية إلى عموم المواطنين، كما لا أدرى ما علاقة إذاعة السلام الجمهورى بالقيم والتوجهات؟! ثم ما المراد بالتوجهات هاهنا؟! ولأن الوزيرة موظفة عمومية نالت ترقية فأصبحت بين عشيّة وضحاها وزيرة، دون أن يكون لها أى خبرات سياسية، إذا بكتابها الذى يضم هذا القرار يخلو تمامًا من الحنكة السياسية، فهى تأبى إلا أن تورّط فيه رئيس الوزراء، بل تأبى إلا أن تورّط فيه القيادة السياسية نفسها، ففى سطره الثالث تأتى العبارة «وفى هذا الإطار وتنفيذًا للتوجهات الحالية فى هذا الشأن...»، فما المراد بقولها «التوجهات الحالية»؟! وإذا كانت ثمة «توجهات» فممّن تأتى؟! هل من رئيس الجمهورية أم من رئيس الوزراء؟! وإذا فرضنا أن تلك التوجهات فى المطلق دون تحديد أو تفصيل، فكيف فهمت منها تلك الوزيرة أن المراد بها فرض إذاعة السلام الجمهورى فى المستشفيات والمراكز الطبية التابعة للوزارة؟! إن هذه الوزيرة لانعدام فهمها السياسى تورّط مَن فوقها توريطًا بالغًا فى أمر يدعو إلى السخرية والرِّثاء فى آنٍ، وما ذلك إلا لأنها من فئة الموظفين لا من فئة السياسيين، وهو ما يدعونا من جديد إلى إثارة قضية معايير اختيار الوزراء فى مصر، فمع الاحترام الكامل لشخصية تلك الوزيرة، ما أهم المميزات التى وجدها الدكتور مدبولى، رئيس الوزراء، فى الدكتورة هالة؟! وهل عرضت تلك الوزيرة بعد ترشيحها وقبل حلف اليمين الدستورية خطة أو برنامجًا للارتقاء بالمنظومة الطبية والصحية فى طول البلاد وعرضها؟! ولماذا هى دون غيرها؟!
أتحدّى أن تكون الوزيرة هالة زايد على معرفة بمفهوم «الانتماء الوطنى» الذى تتذرّع به لفرض قرارها الغريب بإذاعة السلام الجمهورى فى المستشفيات الحكومية، إذ إنها لو كانت تعرف معنى «الانتماء الوطنى» على حقيقته لَمَا أصدرت قرارها ذلك، فالانتماء والولاء للوطن لا يكون بالنفاق والأناشيد الزاعقة وتكرار عزف السلام الوطنى، وإنما يكون الانتماء للوطن واضحًا عندما يكون المواطن فى علاقة إيجابية مع وطنه، لخلق الحافز والرغبة فى الوصول إلى أعلى درجات الإخلاص لهذا الوطن، ولا أعتقد أن مواطنًا، مهما كانت أخلاقياته، ستكون لديه الرغبة فى خلق الحافز الموصّل إلى الإخلاص لوطنه إذا ما ذهب إلى أحد مستشفيات وزارة الصحة فى مصر فلا يجد طبيبًا ولا يجد خدمة طبية آدمية، ولا يجد دواءً ولا يجد أى شىء يمتّ إلى الصحة بصلة، عندئذ فلن يكون شعوره بالانتماء إلى وطنه كاملًا، لأن العلاقة التى يُفترَض فيها أن تكون إيجابية بينه وبين وطنه ومؤسساته ليست على ما يرام، خصوصًا أن الأمر يتعلق بالصحة والمرض، فماذا سيكون تأثير إذاعة السلام الجمهورى فى مسامع هذا المواطن المأزوم؟! لا شىء البتة!
لقد جاء قرار تلك الوزيرة بعيدًا عن المنطق والعقل والواقع، فهى آثرت الاهتمام بالمظاهر والشكليات القريبة من النفاق الاجتماعى، دون النظر إلى معاناة المواطنين المرضى، بل دون النظر إلى معاناة الأطباء أنفسهم، فعن أى انتماء تتحدث تلك الوزيرة فى وقت لا يجد فيه المرضى سريرًا فى مستشفى أو سريرًا فى وحدة عناية مركزة أو جهاز غسيل كلوى؟! أفلا تعلم الوزيرة أن الانتماء لا يتأتى مع وجود سرير واحد لكل ألف مواطن؟! أفلا تعلم الوزيرة أن الانتماء لا يتأتى مع تدنى رواتب الأطباء وبدلات العدوى التى لا تتجاوز العشرين جنيهًا؟! أفلا تعلم الوزيرة أن كثيرًا من الدول الإفريقية ذات الكثافة السكانية العالية لا توجد بها قوائم انتظار مثل التى توجد فى مستشفيات مصر؟!
إن قيمة «الانتماء الوطنى» ستكون حقيقة متمثّلة فى نفوس المواطنين إذا عرفوا ولمسوا وعاينوا بأنفسهم آدمية المستشفيات التى يلجؤون إليها طلبًا للعلاج والتداوى، ولكن أن ينخفض الدعم الحكومى المخصص للتأمين الصحى وشراء الأدوية بمشروع الموازنة الجديدة فهذا معناه أن المواطنين سيكونون غير مقتنعين بكلام وزيرة الصحة حول دورها القادم فى الارتقاء بالمنظومة الصحية فى مصر، وأن ذلك «فى رقبتها!» كما قالت بالنص!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات