خروج رونالد ودخول دونالد.. لماذا يعتقد قادة أمريكا أن وجودها فى الناتو لا يأتى بكلفته؟

Foto


 

ترجمة: أميرة جبر عن «واشنطن بوست»

 

تُصوَّر رحلة الرئيس ترامب إلى أوروبا من قبَله وكذلك من قبَل منتقديه على أنها ثورية. يقول لنا إنه بمفرده، وعلى نحو عجائبى جعل أعضاء الناتو يزيدون بحدّة من إنفاقهم على الدفاع، ويزعم منتقدوه أنه بمفرده قد دمر التحالف الغربى بزرعه الشك والشقاق بين شركاء أمريكا المقربين.
وما يجزم به كل من ترامب ومنتقديه حقيقةً ليس صحيحًا، ومطالب ترامب فى الواقع مطالب أمريكية مألوفة، فقد طلب الرئيس باراك أوباما الشىء نفسه بشكل متكرر من حلفاء الناتو، واختار وزير دفاعه الأول «روبرت إم. جايتس» أن يلقى خطاب «وداعه» فى أوروبا -قبل أسابيع من رحيله عن منصبه- عن هذا الموضوع بالتحديد. وقد توقع «تناقص شهية الجماعة السياسية الأمريكية لإنفاق موارد مالية متزايدة القيمة نيابةً عن دول من الواضح أنها غير مستعدة أن تكون شريكة جادة وقادرة فى دفاعها عن نفسها»، وحذَّر من أن «القادة السياسيين الأمريكيين المستقبليين، أولئك الذين لم تكن الحرب الباردة تجربة تأسيسية لهم كما كانت لى، قد لا يعتقدون أن عائد استثمار أمريكا فى الناتو يستحق كُلفته».
إن اتهام ترامب لألمانيا هذا الأسبوع بأنها أصبحت شديدة الاعتماد على الغاز الطبيعى الروسى به جانب من الحقيقة لا يُستهان به، فقد وقَّع الألمان بلهفة على علاقة طاقة مع روسيا خطيرة استراتيجيًّا، ويخطئ ترامب فى تقدير بعض ديناميكيات الأمر، فالأمر ليس وكأن باستيرادها كميات ضخمة من الغاز الطبيعى من روسيا قد تتعرض برلين للابتزاز، لأن الروس معتمدون بالتساوى على النقد الألمانى، غير أن خطوط الأنابيب الجديدة التى تُبنى قد تسمح لروسيا بتهديد دول أوروبا الشرقية من خلال منع إمدادات الطاقة أو رفع الأسعار، وقد استخدمت واستغلت موسكو كارت الطاقة هذا فى الماضى.
ولكن مرة أخرى، شكوى ترامب كثيرًا ما عبَّرت عنها إدارة أوباما، وفى أى من الحالتَين ما من دلالة على أن أسلوب ترامب الفَظ العدوانى قد أنتج أية نتائج، وإن كان قد أنتج شيئًا فقد جعل بعض الأوروبيين يشعرون بأن عليهم الدفع فى المقابل، فذكَّر وزير الخارجية الألمانى «هايكو ماس» ترامب بأن ألمانيا ليست تابعة لا لروسيا ولا للولايات المتحدة.
غير أن الثورة الحقيقية تكمن فى ما يفعله ترامب فى السياسة الخارجية فى الداخل، فهو ماضٍ فى مشروعه -سواء عن قصد أو بالغريزة- فى إعادة تشكيل الحزب الجمهورى. ويبدو أن أسلوبه فى الخارج صُمم ليخلق سياسة خارجية جمهورية جديدة أقرَب أكثر إلى الجذور التاريخية للحزب -عدم الثقة بالأجانب والتحالفات والاتفاقيات- ومن اتجاهات عديدة انعزالية بشكل قاطع. فى تجمعاته يصف ترامب أقرب حلفاء أمريكا بـ«أسوأ أعدائنا»، ويقول إنهم «يقتلوننا» فى كل من الأمن والتجارة، ويقول: «نحن الحمقى» متحسرًا على أمريكا فى تعاملاتها مع الناتو والاتحاد الأوروبى.
ويكتب جوناثان شايت فى مجلة «نيويورك تايمز» أن «ترامب يدرب قاعدته على كراهية الناتو والإعجاب ببوتين»، وفى الواقع نجح ترامب بشكل لافت للنظر، إذ يؤمن ٥١٪ من الجمهوريين الآن بأن الولايات المتحدة لا ينبغى أن تدافع عن حلفاء الناتو إلا إذا زادوا من إنفاقهم على الدفاع. والأكثر إثارة للدهشة أن ترامب يبدو أنه عكس الموقف الجمهورى تجاه روسيا وديكتاتورها فلاديمير بوتين، ففى تجمع أخير قال ترامب: «أتعلمون؟ بوتين جيد، إنه جيد، كلنا جيدون، نحن بشر». واحتمال أن يعبّر الجمهوريون الآن عن رأى حسن فى بوتين ضعف الديمقراطيين، ويريد ٥٦٪ من الجمهوريين التعاون والتعامل أكثر مع روسيا.
وقد أثبت الحزب الجمهورى أنه ليّن أيديولوجيًّا بشكل لافت للنظر، فقد أصبح الآن لدى حزب القانون والنظام عدم ثقة عميق بمكتب التحقيقات الفيدرالية «إف. بى. آى»، ويقف حزب التجارة الحرة بشكل أصلب بكثير من الديمقراطيين خلف الحمائية. إن الحزب الذى احتفل بتفاؤل رونالد ريجان بالمهاجرين يحتوى الآن على أغلبية تدعم فصل العائلات على الحدود وملاحقة المهاجرين غير الشرعيين جنائيًّا.
وما زالت تكمن عبقرية ترامب السياسية فى إدراكه أن قاعدة الحزب جاهزة لهذه الثورة الأيديولوجية وأنه بينما لا تزال الصيغة الريجانية القديمة متبعة من قبَل النخبة الجمهورية فى واشنطن ونيويورك لا تحتضن هناك فى المعاقل.
ومنذ ٥ سنوات كتب أحد الجمهوريين أن «شبح الانعزالية يطارد الحزب الجمهورى، ومن غير الأكيد أن الميل الانعزالى سينتصر، ولكن من الضرورى أن يستطيع الجمهوريون المعنيون بالأمن القومى الإجابة عن الأسئلة التى تُطرَح، واستعادة برنامج متماسك للحزب، وبذلك تحبط الانعزالية الجديدة».
تلك الكلمات كُتبت من قبَل جون بولتن، مستشار ترامب للأمن القومى حاليًّا، ويبدو أن حتى أكثر الجمهوريين المعنيين بالأمن القومى صرامةً قد أقلموا أنفسهم مع ثورة ترامب.



 

فريد زكريا
يكتب عمودًا متخصصًا فى الشؤون الخارجية لجريدة «واشنطن بوست»، كما يستضيف برنامج «جى. بى. إس» على قناة «سى. إن. إن»، ويشارك فى تحرير مجلة «أتلانتيك». ومن مؤلفاته «دفاعًا عن التعليم الليبرالى» و«العالم ما بعد الأمريكى» عام ٢٠٠٩ و«مستقبل الحرية» عام ٢٠٠٧.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات