.

Tag.. أن يلعب الكبار «المساكة»!

Foto

هل يفقد الكبار حب الحياة بسبب التوقف عن اللعب واللهو؟ كيف نجح السيناريو فى تقديم كوميديا مرحة عن الصداقة؟


من علامات النضج أن يكف البالغ عن ممارسة ألعاب الأطفال، وأن يتوقف عن التصرف بتلقائية وجموح صبى فى العاشرة، وأن يغير عاداته فى اللهو والقراءة والمرح. بعد سن معينة يترك المرء كل مظاهر اللهو البرىء وينتقل لمرحلة أكثر وقارا وجدية. لا يوجد رجال فى الأربعين من عمرهم يلعبون «المساكة» ويجرون خلف بعضهم البعض بهدف أن يلمس أحدهم زميله ويتابع الممسوك اللعبة ويجرى خلف زميله ليمسكه ويصبح مُطَارَدا بعد أن كان مُطَارِدا.

لكن ربما لا يكون ما كتبته فى السطور السابقة حقيقيا، هناك مثلا خمسة من أصدقاء الطفولة ظلوا يلعبون المساكة ويجرون خلف بعضهم طوال 30 عاما، فى شهر محدد من العام تبدأ اللعبة، ويمارسها جميعهم مهما كانت الظروف، هذه فكرة فيلم Tag وهو فيلم يضم من بين أبطاله نجوما فى وزن جيريمى رينر وجون هام وإد هلمس وآيلا فيشر، واختار المخرج جيف تومسيك الفكرة لتكون موضوع أول أعماله كمخرج، وكتب السيناريو كل من روب مكتريك ومارك ستيلين.
كيف صنعت هوليوود من هذه الفكرة التافهة فيلما؟ رجال كبار يلعبون المساكة، ربما تكون حكاية صالحة لإسكتش كوميدى ساخر، ولكن صناعة فيلم كوميدى طويل قائم على فكرة مطاردة رجال كبار لبعضهم البعض فى لعبة مساكة لا تبدو فكرة تحمل ملامح منطقية، لكن المدهش أن الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية وشخصيات حقيقية، والقصة نشرتها جريدة وول ستريت جورنال كفيتشر صحفى بعنوان «الأمر يحتاج إلى التخطيط والحذر.. حتى لا تُمسك»، وكما نرى فى الفيلم فى بدايته تجلس صحفية مع رجل الأعمال بوب كالاهان «جون هام»، وفى أثناء اللقاء الجاد يدخل عامل نظافة متخفٍ ويفاجئ رجل الأعمال بأنه صديقه الطبيب الذى التحق بالعمل بالشركة كعامل نظافة «إد هلمس» ليصل لصديقه ويلمسه وهو يصرخ فرحا كأى طفل خدع صديقه فى لعبة المساكة، وطبيعى أن تجد الصحفية فى حكاية الأصدقاء الخمسة الذين يلعبون المساكة كل عام فى خلال شهر محدد موضوعا صحفيا أكثر إثارة من الحوار الذى كانت تجريه مع رجل الأعمال حول نشاط شركته.
فى أحد مشاهد الفيلم يقوم أحد الأصدقاء بقذف قطع الكعك والحلوى على زميله لتعطيله عن مطاردته وتعلق الصحفية بسخرية وذهول «لهذا ستنقرض الصحافة المطبوعة». إنها تسخر من كل شىء يحدث حولها وربما من نفسها أيضا؛ كيف أصبحت لعبة أطفال يمارسها الكبار بكل تفاهة موضوعا لقصة صحفية تتابعها بكل شغف؟ هى إشارة جانبية للنوعية الجديدة من الموضوعات التى تسعى خلفها صحافة الترافيك.
المضمون والرسالة التى حاول الفيلم توصيلها هى القدرة على الاستمتاع حتى لو باستحضار الشعور الطفولى وحماس الصغار لممارسة لعبة لا تليق بالكبار، ويرسم السيناريو الشخصيات الخمس بحيث لا تبدو متشابهة فى تفاصيلها، فجيرى «جيريمى رينر» مدرب اللياقة البدنية على وشك الزواج، وهو الوحيد الذى لم يتم مسكه أبدا، وهو بارع للغاية فى الاختباء والمراوغة فى وقت اللعبة السنوى، وقدرته الفائقة على الاختفاء تصبح فى وقت ما أمرا سيئا بالنسبة للعبة، فالحفاظ على ممارسة اللعبة بالنسبة للأصدقاء يحافظ على العلاقة بينهم، فمهما باعدت الظروف بينهم يأتى وقت اللعبة لاستعادة علاقتهم، فاللعبة تجمعهم كل عام، لكن جيرى الذى بالغ فى التخطيط والحذر حتى لا يُمسَك أبدا أفسد مضمون اللعبة دون أن يقصد.
هوليوود صنعت من الحكاية كوميديا بمواصفاتها الخاصة، فرغم أن أصحاب القصة الحقيقية من البيض ضمت إليهم شخصا من السود، ورغم أن اللعبة ذكورية تماما حاول السيناريو فى لحظة ما إشراك العنصر النسائى، هى أمور تحرص عليها هوليوود ضمن توليفتها التوافقية التى بدأت أعراضها خلال السنوات الأخيرة.
تردد شخصيات الفيلم جملة منسوبة لبنجامين فرانكلين تقول: «نحن لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا، بل نكبر لأننا توقفنا عن اللعب»، وهى جملة تمثل حكمة العمل التى أصبحت شعارا لمجموعة الأصدقاء على الرغم من أنها ليست جملة من أقوال بنجامين فرانكلين، ولكنها تشبه كثيرا من الأقوال المأثورة المنتشرة على السوشيال ميديا، ومنسوبة لمشاهير الساسة والأدباء والفنانين، وهى فى الحقيقة جمل مجهولة المصدر، ولكنها تحظى بشعبية نتيجة كثرة الشير.
العمل ربما يكون متوسط القيمة دراميا لكنه لا يخلو من بعض المرح والكوميديا، وربما تكون مشاهد اللعبة وتكنيكات الخداع هى الأفضل والأقرب لروح الموضوع نفسه، لكن باقى الحكايات والعلاقات بين الشخصيات غير مثيرة، والفيلم إجمالا يحمل قدرا من الطاقة والمرح، وهما نتاج الكاريزما بين الممثلين وسرعة نقلات المونتاج واستحضار حالة وإثارة المطاردات البدنية خصوصا فى حالة جيرى، الرياضى الذى يتمتع بمهارات رياضية متفوقة، وهناك أيضا المفارقات التى تنتج عن المطاردات، لكن حالة الفيلم تخفت فى المشاهد بين المطاردات، والسيناريو يرسب فى التعبير عن مضمون العمل الأصلى وهو دفء علاقة الصداقة بين الشخصيات، ولا يركز على التفاصيل خلف علاقتهم الاستثنائية، والماضى الذى جمع بينهم، فأغلب الحكايات الأصلية للعلاقات بين الشخصيات وتطور علاقتهم يأتى فى الخلفية ودون تفاصيل دافئة تبقى فى الذاكرة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات