.

قانون الفتوى و«فوضاها» بين الأزهر والإفتاء

Foto

إذا كان مالك قدّم أفعال أهل المدينة وأبو حنيفة قدّم أفعال أهل الكوفة على المرويات فهل لنا أن نقدم أفعال أهل كايرو على المرويات؟ هل سيطبق القانون على فتاوى المواقع الإلكترونية والسوشيال ميديا؟


من جديد يثار هذا الجدل داخل أروقة مجلس النواب بخصوص قانون الفتوى تحت دعاوى فوضى الفتاوى التى تحدث، إذ ظهرت ملامح القانون بقصر الفتوى على أربع جهات هى هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء ولجنة الفتوى بوزارة الأوقاف، ولكن الأزهر قدم تعديلًا ليقتصر على ثلاث فقط، وتبعد لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف من تلك الأحقية، والجدل دائر الآن بين الجهتين، وينتوى البرلمان أو لجنته الدينية أن يحضر مندوبان عن الجهتين لحضور مناقشة القانون وتقديم رؤياتهم ومحاولة التوفيق بين الطرفين.

ولذلك فما الفتوى؟
الحلال بيّن والحرام بيّن، ولقد فصل لكم ما حرم عليكم، ولذلك فالفتوى ليست فى مجال الحلال والحرام البيّنَين، ولكنه أمر ملتبس يحتاج إلى قياس أو اجتهاد، سواء اجتهد فيه الأوّلون فى القرون الأولى فيرجح الشيخ رأى أحدهم، أو يقول برأى مذهبه الذى تمذهب عليه أو يجتهد برأيه فى ما يستحدَث من أمور، ولذلك فنحن ندخل المنطقة الرمادية التى تتحمل عددًا من الآراء وتتسم بالنسبية الشديدة. ويقول الفقهاء القدامى عن الفتوى إنها تقدير لأخَف الضررين، أو أقل الشرين، ولذلك فمن الممكن أن تحلّ حرامًا أو تحرم حلالًا تحت دعوى «الضرورات تبيح المحظورات» أو «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة»، وهنا ندخل منطقة شديدة الحساسية، خصوصًا أن الدين أحيانًا ما يختطف من الساسة لتحقيق مصالح سياسية أو شخصية.

الفتوى السياسية
كثيرًا ما يُستغل بعض المشايخ لإصدار فتاوى سياسية، فمن الممكن أن يجعلوا هذا من أهل الباطل وهذا من أهل الحق، هذا فى مصافّ الأنبياء والصديقين والشهداء، وهذا مع أبى جهل وأبى لهب، أو أن هذه الحرب مقدسة تتساوى مع غزوات بدر وأحُد والخندق، وأن تلك حرب مدنسة، أن هؤلاء مع المهاجرين والأنصار، وهؤلاء من الخوارج، أو دعوات الزهد والتقشف للشعب، ولا يطالبون الحكام والمسؤولين بنفس هذا التقشف، يمنعون التظاهر والاعتراض على الحاكم، وغيرها من الفتاوى الكثيرة التى تدخل فى مصاف الفتاوى السياسية.

الفتوى الاقتصادية
هناك فتاوى اقتصادية أيضًا، فـ«تورتة» الزكاة فى مصر ربما تتجاوز المئة مليار، فلدينا فى البنوك 3 تريليونات جنيه تقريبًا، منها تريليون للأفراد زكاتهم 25 مليارًا، ناهيك بأموال التجارة والمواشى والزراعة وكل الأصول الثابتة، وهناك أموال الصدقات، إذ يتصدق المصريون طلبًا للستر والعافية ورضاء الله، وأحيانًا ما يندرون حين نجاح الابن أو زواج البنت أو التوفيق فى التجارة أو الترقى فى الوظيفة وغيرها من الأمور، وهناك فتاوى تجعل التبرع فى تلك الجهة من مصارف الزكاة وغيرها ليست كذلك، أو أن هذه الجمعية يروّج لها شيخ شهير وتلك ليست كذلك، وقد حدث جدل واسع عن الجمعيات الأهلية والمستشفيات التى تجمع التبرعات، وهى أموال بالمليارات وشبهات فساد تشوب تلك العمليات لا مجال للخوض فيها الآن، بعضها الآن فى أيدى النيابة العامة، حتى توظيف الأموال وتجارة السلع المعمرة بالتقسيط كانت تدار تحت فتاوى دينية بما يسمى المرابحة الإسلامية، وهو صك دينى فى النهاية، فكأن كلمة «الإسلامية» تجعل المعاملات الأخرى غير إسلامية!

شبهة المصالح
القانون الحالى الذى سيقصر الفتوى على جهات محددة أشخاصها محددون. بيزنس الفتوى كبير، فهناك أرقام «0900» من ذات الدقيقة المدفوعة يديرها شيوخ مشهورون ولكنهم ليسوا فى تلك الزمرة، استفتى أخى مرة وكانت وقتها الدقيقة بجنيه ونصف الجنيه، ويتم مَط المكالمة فى مكالمات مسجلة وغيرها حتى وصلت وقتها المكالمة إلى 30 جنيهًا، وكان هناك وعد بأن الشيخ سيرد عليك بنفسه، ولكنه اكتشف فى النهاية أنها رسائل مسجلة بالفتاوى الشهيرة، وكلها تخص الأحوال الشخصية من زواج وطلاق، وأحيانًا المواريث، بالإضافة إلى أن هناك طلبًا على الفتاوى فى القنوات الفضائية، فكل قناة تقدم المسلسلات وبرامج الطبخ، ولكنها تحتاج إلى برنامج فتاوى، خصوصًا فى رمضان، كخلطة إعلامية متكاملة، وكثير من هؤلاء المشايخ الذين يقدمون تلك الخدمة ليسوا من تلك الزمرة، وهنا سيُطرَدون ليحل محلهم آخرون من تلك الزمرة التى أُعطيت حق الفتوى، وهذا بيزنس مالى كبير.

الرأى والفتوى
ولنفترض أن تلك الخناقة بين الأزهر والأوقاف قد حُلَّت وتم استرضاء الأوقاف بإدراج لجنتها داخل النطاق، فما بال أصحاب الرأى؟! فكثير من الكُتاب والمفكرين والباحثين الذين يشتبكون مع الشأن العام يشتبكون مع الفتاوى التى تخص السياسة أو المجتمع بشكل عام، وهنا ستكون المشكلة: هل هذا رأى أم فتوى؟ خصوصًا أن كلمة الفتوى العامة المذكورة فى مشروع القانون لا تحدد توصيفًا محددًا للفتوى العامة، وهناك محامون محترفون رفعوا عشرات القضايا ضد كُتاب ومفكرين فى القانون المشبوه الذى يطلق عليه «ازدراء الأديان»، وما زال محل اعتراض الكثير من المفكرين والكُتاب، وحتى أساتذة الشريعة من أمثال الدكتورة آمنة نصير التى طالبت بتعديله، ولكن رُفض طلبها تحت ضغط الراديكالية الدينية فى البرلمان والمجتمع على السواء، فهل سيضاف قانون حسبة جديد يطارد أصحاب الرأى والمفكرين ليطولهم السجن، ناهيك بالغرامة التى تصل إلى خمسين ألف جنيه فى المرة الأولى، وفى الثانية مئة ألف جنيه؟ وهم يعلمون أن الثقافة والرأى فى مصر لا ينشئان أغنياء، ومن ثم فلن يقدروا على دفع تلك المبالغ، ما سيضاعف سنوات سجنهم. لو طُبق هذا القانون وسُجن بسببه أصحاب رأى ستكون سبّة فى جبين مصر فى القرن الواحد والعشرين، وسبّة لمَن أصدر ذلك القانون، كما يفعل مع قانون ازدراء الأديان. كفانا إساءة لسمعة مصر، وكفوا عن هذا العبث!
كثيرًا ما اشتبكت مع قضايا رأى تشتبك مع رأى الدين وقت قضية الميراث فى تونس، أو قضية الحجاب أو غيرها من القضايا.
وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ كتبت وكتب غيرى فى قضية التبَنّى التى يمنعها المشايخ تحت دعاوى الإجماع، وهى فكرة أن تتبنى أسرة فتى أو فتاة وتكتبها باسمها فى دولة نحن نشتكى من أن هناك 2 مليون طفل شارع على أقل التقديرات، ولدينا ما يزيد على مليون أسرة تتمنى أن تتبنى طفلًا وتنسبه لنفسها ويكون له كل الحقوق، بما فيها الميراث. يقول أحدهم: وما الداعى لتسميته باسمها؟ يكفيها أن تربيه، ولكن يكون هناك عائق نفسى كبير، وهذا عن تجربة قريبة أشاهدها، يصاب الشخص بمشكلات نفسية عندما يعى أنه لا ينسب لتلك الأسرة وأنه لقيط، فى ظل مجتمع يتعامل مع تلك الفئة بنظرة شديدة السلبية، على أساس أنه ابن حرام بما تحمل تلك الكلمة فى الضمير الشعبى المصرى من سوء، حتى قال أحد الصحفيين إنه يعرف أسرة ذهبت للصين وتبنت طفلًا مسلمًا صينيا فى ظل قانون يسمح بذلك. أين تقديم المصلحة على النص؟ وأين تلك الفتاوى؟ لا يوجد من تلك الجهات مَن يجرؤ على فتوى من هذا النوع؛ لأنهم أهل النقل لا أهل العقل، هل سيعتبر هذا رأيًا أم فتوى تستحق السجن والغرامة؟ فى ظل مَن يقفون على الساقطة واللاقطة لمطاردة أصحاب الرأى ووضعهم فى مرامى سهام الحسبة.
فى ظل دستور يتحدث عن حرية الاعتقاد، وهناك ملحدون وربوبيون وغير مسلمين يرون فى كثير من الفتاوى الدينية التى تشتبك مع السياسة والاجتماع الإنسانى أنها آراء مرفوضة تتصادم مع الحرية الإنسانية، كيف سنحل هذا الإشكال فى ظل عولمة ومجتمع يتحرك بسرعة نحو حرية الرأى؟
كثير من المواقع الإلكترونية وصفحات الفيسبوك والمدونات تقدم خدمات الفتاوى، بعضها داخل مصر وبعضها خارجها، كيف سنتعامل معها؟
الفتوى احتياج إنسانى، خصوصًا فى المجتمعات الأقل تعليمًا فى القرى والنجوع فى ما يخص الزواج والطلاق والميراث، وليس أمامهم إلا إمام المسجد، وكثيرًا ما كنا نرفض تعميم الفتوى من خلال الفضائيات، لأن كل فتوى حالة خاصة لا يجب تعميمها، فكيف سنمنع هؤلاء من الفتوى، خصوصًا إذا كان شيخ المسجد موظفًا حكوميًّا يخاف العقاب؟ فإن هناك من الجماعات والتيارات السلفية التى تميل فتاواهم إلى التشدد فى ما يخص فرضية النقاب واللحية وغيرهما من الأمور، وهم الذين سيتصدرون الفتاوى الاجتماعية.
حتى أساتذة الجامعات، ومنهم مستشار الرئيس، الدكتور أسامة الأزهرى، سيكونون ممنوعين من الفتوى ضمن هذا القانون، ناهيك بالإعلاميين المشهورين؛ أمثال خالد الجندى والشيخ مبروك وغيرهما من شيوخ الفضائيات. 
نحن أمام أزمة جديدة تواجه حرية الرأى والفكر، وتصب فى خانة الإحباط والغضب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات