زواج مع الفن أم طلاق مع الدعوة؟

Foto

لماذا انزعج محبو معز مسعود من زواجه بفنانة «متبرجة»؟ هل إعلان زواجه هو إعلان طلاقه من الدعوة؟ كيف تحول معز إلى داعية؟


إن زواج أى شخص لا شك أنه أمر شخصى جدا، حتى لو كانت فنانة، لكن عندما يكون هذا الشخص معز مسعود هنا لا يمكننا اعتباره أمرا شخصيا، فحياة الدعاة ليست ملكا لهم بل ملك لأفكارهم وملك للشباب الذى آمن بهذه الأفكار، ومعز مسعود قدم نفسه للمجتمع العربى والإسلامى كداعية يملك حق إرشاد المجتمع ووضعه على الطريق الصح كما يرى هو لا كما ينبغى، هنا وضع معز وإخوانه أنفسهم فى مكانة لا وجود فيها للخصوصية، مكانة حصلوا بها على الشهرة والمال والنفوذ، وثمنها تسليط الأضواء عليهم وعلى سلوكهم وتصرفاتهم فيصبح سلوك الداعية ليس مجرد حرية شخصية بقدر ما هو تطبيق عملى للأفكار التى كان يدعو إليها، خصوصا بعدما آمن بها هذا القطاع الكبير من الشباب، الحالة الوحيدة التى نقبل فيها التناقض بين أقوال الشخص وسلوكياته عندما يكون ممثلا، يؤدى دورا مرسوما من قبل، مخططا فى سيناريو معروف، فهل كان الدعاة مجرد ممثلين يجيدون لعب أدوارهم أمام الكاميرا؟ هل عندما اعتبرت مجلة الإيكونومست مسعود أحد أكثر خمسة دعاة مؤثرين فى العالم الإسلامى فى نوفمبر 2011، كان تصويتا على أفضل ممثل إسلامى؟ أم أننا نبالغ؟

لسنا ضد الفن، لكن معز ضد التبرج وضد الزواج بغير الأخت المحجبة، هذا التناقض له ما يفسره فى إطار أكبر من مجرد التندر على معز، من المهم أن نفهم ظاهرة الدعاة الجدد لنفهم تصرف معز أو نفسر قبول شيرى عادل الزواج من داعية قد يؤدى الاقتران به إلى إعاقة مسيرتها الفنية. إن ظاهرة الدعاة الجدد حاول الكثيرون تفسيرها، جمهور الإسلاميين مثل السلفيين فسروها على أنها صنيعة أمنية من الدولة لصرف الشباب عن التحلق حول رموز الإسلام السلفى. وتيار الإخوان فسرها على أنها مؤامرة مخابراتية ضد الإخوان بتقديم رموز إسلام حداثى ينافس فى خطابه خطاب الإخوان المنتشر فى أوساط المثقفين. وفسر التنويريون ظاهرة الدعاة الجدد على أنها قناع جديد للرجعية الماضوية، وأنها حرب على وعى المواطن المصرى. يجب أن نعترف أنها ظاهرة كانت تحتاج إلى تفسير عميق وعلمى لها، ولكن فى ظل العشوائية التى عششت فى كل شبر فى مصر تركنا تحليل تفسير الظاهرة لانطباعات البعض، ولعل أفضل تفسير لهذه الظاهرة ما قدمه باتريك هاينى فى كتاب «إسلام السوق»، يقول إن هناك أنماطًا من التدين غير المسيس، وهو منفتح على الخارج، وقد تخلص من إرث الإسلام السياسى المعقد والمتصارع مع مؤسسات المجتمع المدنى، وإن هذا النمط من التدين لا يتبنى موضوعات الإسلام السياسى مثل موضوعات البديل الحضارى أو موضوعات الخلافة، والإسلام فى هذه الحالة يحتاج إلى دعاة جدد، دعاة يتعاملون مع هذا الاتجاه بحيوية أكثر ولا يتعارض مع قيم السوق الرأسمالية. وأشار باتريك إلى ما لاحظه ماكس فيبر فى التدين البروتستانتى، من أنه لا يتصارع مع أحد وأنه متصالح حتى مع الحريات الشخصية ولا يفرض نمطا سلوكيا على أتباعه فى الملبس أو فى مظاهر العبادة ذاتها، هذا الأسلوب الجديد يحتاج إلى متعهدين دينيين جدد، لهذا ظهرت هذه الظاهرة ليس بيد قوى خارجية بقدر ما هى استجابة لضغوط السوق واحتياجات الإنسان الطبيعية، لهذا ظهر معز مسعود وعمرو خالد ومصطفى حسنى. أما معز مسعود فسيظل علامة داله على استغلال الحالة الدينية، فهو لم يظهر على السطح بطريقة تقليدية أو بطريقة مفهومة، فعمرو خالد مثلا كان تطورا طبيعيا للإخوانى الداعية الذى كان مسؤولا عن قسم التربية فى محافظة الجيزة، مما يعنى أنه مارس عملا سياسيا دعويا من قبل، أما معز فكما يقول عن نفسه إنه كان شابا لاهيا يعاقر الخمر وربما يقيم علاقات غير بريئة مع النساء ويرتكب الكثير من الموبقات، ثم اكتشف أنه فى حاجة إلى أن يكون متدينا وهو فى الجامعة الأمريكية بعد تعرضه لمجموعة من المواقف حسب قوله، وفاة ستة من أصدقائه بشكل متسلسل وتعرضه لحادثة سير كادت تودى بحياته، وتأثره بالخطاب الإسلامى الشائع وقتها، لو نلاحظ أن هذا كان فى عام ١٩٩٧ أى مع تصاعد التيار الإسلامى السياسى فى حياة المصريين، وسرعان ما تحول إلى داعية فى الجامعة الأمريكية رغم حداثة سنه، مستفيدا من الحالة التى شارك فى الترويج لها عمرو خالد وساعدت معز كثيرا، ثم انتقل إلى الجالية الإسلامية فى أمريكا وأَمَّ المسلمين هناك إلى أن التقطته شبكة «إيه آر تى» وقدمته كداعية شاب فى برامج باللغة الإنجليزية التى يجيدها، وفى عام ٢٠٠٣ أى وهو فى سن الخامسة والعشرين يتزوج زميلته فى الجامعة الأمريكية سارة، والتى كانت قد حصلت على لقب ملكة جمال الجامعة، وفى شهر رمضان من عام 2007، ولم يكن معز قد أكمل عامه التاسع والعشرين، أصبح من الدعاة المشهورين، فقد تابعه الملايين من المشاهدين فى برنامجه الأول باللغة العربية «الطريق الصح»، والذى تم تصويره فى خمس مدن رئيسية هى القاهرة وجدة وإسطنبول ولندن والمدينة المنورة، وهو ما لم يحظ به أى برنامج دينى من قبل، وناقش البرنامج عبر حلقاته العشرين قضايا مهمة ومؤثرة عند الشباب مثل المخدرات والخمور والعلاقات بين الجنسين، وعالج أيضا قضايا ذات حساسية كالمثلية الجنسية وجذور الإرهاب، واستمر معز ضيفا على كثير من البرامج ومقدما لكثير من البرامج الدينية غير التقليدية، وأنتج وألف ولحن أغانى مقدمات برامجه، ثم فجأة انتشر خبر زواجه من المرشدة السياحية المحجبة والشهيرة بسنت نور الدين، وأصبح معز فى بؤرة الأخبار خصوصا أن زواجه لم يدم كثيرا، ثم فى خطوة مفاجئة أعلن مكتبه زواجه من الفنانة والممثلة شيرى عادل، هنا لا يمكننا تجاوز الخبر واعتباره أمرا شخصيا، كما لا يمكن التعامل معه كمجرد نزوة تعرض لها سياسى محروم من النساء، أو إسلامى سقط فى فتنة النساء، فمعز ذكى يعرف ما يقول ويدرس خطواته بدقه أكثر من أى من زملائه الدعاة الجدد.. إن زواجه بالفنانة شيرى هو طلاق لخطابه السابق وللقالب الذى عرفه الناس به، وإعلان عن مسار عمله الجديد والذى يتفق مع قيمه الإسلامية «البروتستانتية» التى لن يكون للحجاب فيها مكان ولا للحية والجلباب، وإنما إسلام قيمى يقبل الجميع على ما هم عليه، مثل الأعمال الثقافية والفنية، لهذا لا تتعجب أن معز ملحن ومغن ومنتج فنى وفى نفس الوقت عضو فى مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامى، وكذلك باحث فى علاقة علم النفس بالدين فى جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، كما شارك فى إنتاج فيلم «اشتباك» الذى تدور أحداثه داخل سيارة شرطة مكتظة بالمتظاهرين من مؤيدى ومعارضى جماعة الإخوان المسلمين فى 30 يونيو 2013، إبان عزل الرئيس الأسبق محمد مرسى من الحكم، لهذا انتظر أن يكون لمعز دور كبير فى الإنتاج السينمائى والفنى، وأن شيرى ستكون لها مكانة فنية كبيرة الفترة القادمة، والله أعلم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات