.

عندما لا يصح إلا غير الصحيح

Foto


 

1- لماذا كلما شجعنا فريقًا.. خسر؟!

مع بداية مباراة نهائى كأس العالم بين كرواتيا وفرنسا كان معظم المصريين متحلّقين أمام الشاشات، وبشكل تلقائى ولا إرادى يشجعون كرواتيا، يهتفون عند اقترابهم من مرمى فرنسا، وينهضون بنصف أجسادهم من أماكنهم، النهوض الكروى المتعارف عليه، استعدادًا لفرحة إحراز الفريق الذى يشجعونه هدفًا، وهو النهوض الذى تعقبه استرخاءة إحباط مصحوبة إما بإشعال سيجارة بغضب أو برشفة من فنجان قهوة خلصان أصلًا، لم يسأل أحد ممن كانوا يشجعون كرواتيا نفسه: لماذا يشجعها؟ ولأن أحدًا لم يسأل نفسه لذلك ظلت الإجابة ملقاة فى قاع اللا وعى، وهو القاع الذى نقبع فيه جميعًا الآن.
ربما شجع المصريون كرواتيا لأنهم استطاعوا كسر الأكلشيه المتعارف عليه بخصوص أنه «مش أى فرقة بتلعب حلو تقدر توصل النهائى.. النهائى له ناسه»، ربما لرغبتنا فى حدوث أى شىء جديد، أى شىء يكون عكس المتوقع، أى كسر فى أساسيات لعبة الحياة الصارمة والمملة، نحن أصبحنا نحلم بحدوث أى شىء جديد حتى لو كان هذا الشىء حصول كرواتيا على كأس العالم، ربما شجعناها لأننا أحببنا كوليندا، تلك السيدة الجميلة والبسيطة التى لم تترك أحدًا، رؤساء دول أو لاعبين كروات أو فرنساويين أو حكامًا أو منظمين إلا واحتضنته بمنتهى الصدق والمحبة. أيًّا كانت الإجابة، فلندعها فى قاع اللا وعى مع باقى تفاصيل حياتنا، فقد شجعنا كرواتيا التى لعبت أفضل والتى كانت أكثر حماسةً ورغبةً فى الفوز، ثم فى النهاية: ما الذى حدث؟! حدث المعروف مسبقًا أنه سيحدث، فازت فرنسا.
عندها ظبطنا أنفسنا متلبسين بالحزن لخسارة كرواتيا، ثم ما هى إلا دقائق أعقبت انتهاء مولد كأس العالم حتى بدأنا نعى بعدها أننا نمتلك من الأحزان الخاصة ما يغنينا عن الحزن من أجل كرواتيا، ورويدًا رويدًا بدأنا نعود إلى حياتنا الطبيعية، وأحزاننا الطبيعية، وإحباطاتنا الطبيعية، وعندها أدركنا الحقيقة، أدركنا أن الحياة ليست عادلة كما كنا نتخيَّل، وأنه ليس لكل مجتهد نصيب كما كنا نتصوَّر، وأنه أحيانًا كثيرة لا يصح إلا غير الصحيح، وعندها أدركنا أننا لابد أن نحزن، وأن فرنسا لابد أن تفوز.

 

2- بماذا سينشغل الناس عن همومهم الخاصة بعد المونديال؟!
على مدار شهر رمضان انشغل الناس بالمسلسلات، وبالتأهب لمشاركة مصر فى كأس العالم، ثم انتهى رمضان بمسلسلاته ليدخل الناس بعدها على كأس العالم بمبارياته وعلى حلم رؤية فريقنا يلعب فى كأس العالم ويحقق الإنجازات، ثم انتهى حلم رؤية إنجازات منتخبنا القومى فى كأس العالم بعد أن أفقنا من الحلم لنكتشف أنه قد تحول إلى كابوس سيئ ومحبط، ثم رمينا أنفسنا فى دوامة المباريات وصراع الفرق اللى بجد والمنتخبات التى تدرك معنى شرف تمثيلها لاسم بلدها، ثم مع الوقت تحمَّسنا لكرواتيا، ثم انتهى كأس العالم ليجد الناس أنفسهم قد عادوا إلى الحياة الحقيقية، اكتشف الناس ما اكتشفه فارس أو عادل إمام فى فيلم «الحريف» وهو يطلق حكمة الفيلم النهائية مخبرًا ابنه الصغير أنه.. «خلاص.. زمن اللعب راح».
إذن، بماذا سينشغل الناس عن همومهم التى تفوقت زيادتها على الزيادة السكانية، يذهبون إلى موبايلاتهم، يدفسون وجوههم الممتعضة والحزينة فى شاشات أكثر حزنًا منهم، يتعلقون بيد فى الأسطوانة المعدنية الخارجة من سقف عربة المترو، بينما موبايلاتهم فى اليد الأخرى، تمسح أصابعهم الشاشات إلى أعلى، بينما تطالعهم الأخبار المختلفة التى تشغل الرأى العام حاليًّا، خبر زواج معز مسعود وشيرى عادل مصحوبًا بكليب قديم لمعز مسعود ينصح فيه الشباب بعدم الزواج من فتاة غير محجبة، خبر قضية إثبات نسب تهز الوسط الثقافى، وكل من هب ودب داخل يجامل ويثبت حضور، وكل المثقفين الذين ينادون ليل نهار بعدم التدخل فى الخصوصيات وفى الحياة الشخصية للناس قرروا التدخل فى كل حاجة، ثم أخيرًا خبر يخص العمود الفقرى لحياة الناس، زيادة أسعار السجائر مرة أخرى وبدء الأكشاك والمحلات فى إخفاء ما لديهم من سجائر وبيعها بالأسعار التى تحلو لهم، يؤمِّن الشخص بعد الخبر على ما تبقى من سجائر فى علبته، يعقب ذلك التأمين زفرة غيظ مناسبة لإنهاء المشهد البائس، ذلك المشهد الذى أسهم فى بؤسه أكثر خبر أخير عن قرار وزيرة الصحة الخاص بضرورة تحية العلم الصبح فى المستشفيات مصحوبة بإلقاء السادة الدكاترة والممرضات النشيد الوطنى، تفيقك من ذهولك يد أحد الأشخاص تربت على كتفك وهى تسألك: «نازل المحطة الجاية؟!»، تضع موبايلك فى جيبك وأنت تجيبه بأسى: «أيوه نازل»!

 

3- يا وزيرة الصحة.. وايش يعمل النشيد للعيانين؟!
بعد أن اختارت وزيرة الصحة بدء فترتها الوزارية بزيارة المشيخة والكاتدرائية، اختارت أن يكون أول قراراتها فرض تحية العلم وغناء نشيد بلادى فى المستشفيات الصبح من قِبَل هيئة الطب والتمريض، وهو ما رأينا على اليوتيوب بعده كليبات للمستشفيات المختلفة فى أثناء تنفيذها القرار، وهى الكليبات التى لا ترضى عدوًّا ولا حبيبًا، والتى سوف تدفعك لتساؤلات حائرة لن تجد لها أى إجابة فى عالمنا هذا، ربما إجابتها فى عالم موازٍ آخر غير ذلك الذى نعيش فيه، وهى التساؤلات التى سوف تجتمع جزيئاتها على هيئة سؤال بسيط ومعبر وجامع ومانع مثل.. «يعنى إيه»؟!
يعنى إيه وزيرة صحة فى دولة صحتها بعافية مثل مصر لا تستطيع تحديد أولويات مهمتها؟! لا تستطيع تحديد من أين تبدأ أو كيف تبدأ؟! لا تستطيع تحديد ما هو لائق وما هو غير لائق من قرارات؟! لا تستطيع معرفة أن الوطنية الحقيقية تكمن فى أداء المهمة بنجاح، تكمن فى تحسين صحة الناس التى أصبحت بحكم منصبها مسؤولة عن صحتهم؟! الوطنية ليست عَلَمًا نحييه أو نشيدًا نردده، الوطنية الحقيقية هى شعورنا بالمسؤولية تجاه وطننا، الوطنية هى أن نجعل الناس فى الشوارع راضين ومبسوطين ورايقين وغير متجهمين ومتخلين عن طواجن ستاتهم التى نادرًا ما ترى أحدًا الآن فى الشارع أو فى المواصلات أو حتى فى منزله مش شايلهم فوق راسه. تريدون أن تكونوا وطنيين بحق؟! ارفعوا من فوق رؤوس الناس طواجن ستاتهم اللى شايلينها، لأنه خلاص.. الطواجن عمالة يوم ورا التانى تتقل، ورأسنا للأسف ما عادتش مستحملة طواجن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات