.

رواية جزائرية تعارض «غريب» ألبير كامو

Foto

نسج كمال داوود روايته على شكل حكاية يرويها لشخص ما فى حانة وشاهدهما شخص أبكم، هل تتصور هذه الأجواء؟


هل عليك أن تقرأ رواية «الغريب» لألبير كامو قبل أن تقرأ رواية «معارضة الغريب» التى كتبها الروائى الجزائرى كمال داوود بالفرنسية، وصدرت عن دار البرزخ بالجزائر، وترجمها ماريا الدويهى وجان هاشم لمصلحة دار الجديد ببيروت؟ الجواب: لا، وربما يستحسن أن تقرأ المعارضة أولا، أو أن تقرأها منفصلة حتى لا تقع فى أسر الرواية الأولى، الأقدم زمنيا، أو أن تقع فى بئر ملء الفراغات. أنا فعلت ذلك، كنت أتصور أننى قرأت رواية كامو، لكننى حين تقدمت فى قراءة المعارضة اكتشفت أننى مخطئ، وأنه لم يكن يلزمنى أن أفعل.


نسج كمال داوود روايته على شكل حكاية يرويها لشخص ما فى حانة وشاهدهما شخص أبكم، هل تتصور هذه الأجواء؟ هو يحاول أن يلتقط سطرا أو بضعة أسطر عن قتل الفرنسى -بطل الغريب- شخص عربى دون أن يسميه، ودون أن يذكر خلفيته أو أوصافه، ودون أن يدرج آخر كلماته قبل الموت، ودون أن يذكر سببا للقتل ذاته. هذا التهميش لقتل «العربى» فى الجزائر عام 1942 من قبل مستوطن جزائرى محتل هو ما يغيظ كمال داوود، فنيا، فيبدأ فى نسج الحدث من وجهة نظر أخرى معتمة، من وجهة نظر القتيل المجهول وعائلته المهمشة، القتيل «موسى» الحاضر فى كل الفصول وكل الجمل والكلمات والتفاصيل، رغم موته، تلك الحالة المعاكسة التى تنتهى بالثأر من القاتل فى يوليو 1962، بعد عشرين عاما.


المدهش أن حادثتى القتل لم تكونا مهمتين فى نظر السلطات، فتعاملت معهما بخفة منصرفة إلى أشياء تافهة، ففى المرة الأولى عندما قتل الفرنسى العربى، فى رواية الغريب لكامو، كان الحكام فرنسيين، فلم يلقوا بالاً للأمر، وأعدموا القاتل لأنه لم يحب أمه، وفى المرة الثانية، حين قتل الراوى -أخو موسى- الفرنسى مورسو -فى رواية كمال داوود- كان الحكام عربا، فحققوا معه لأنه لم يشارك فى «الحرب»، لا لأنه قتل نفسا، وبالتالى أفرجوا عنه بشكل اعتبره مهينا، هذا الراوى/ البطل/ القاتل الذى ظل يهرب من مصيرٍ وُضع فيه رغم أنفه، أن يكون امتدادا لحياة أخيه الميت، وأن يكرس كل شىء فى حياته من أجل الثأر، حتى التعليم، وأن يثأر من رجل -مورسو- ليس متيقنا من أنه القاتل بالفعل، وأن يحب فتاة -مِريم، بكسر الميم- دخلت حياته لعدة أسابيع وخرجت منها دون أن تترك أثرا لقدميها، رغم أنها تركت صورتها على روحه أبدا.


الرواية مكتوبة بلغة رشيقة تنتقل بالقارئ بين الأزمنة والشخصيات بسلاسة، وتصور الانفعالات ببساطة ودون ادعاء، والترجمة لم تُشعر القارئ قط أنه يقرأ عبر وسيط، بل لكأنها مكتوبة باللغة العربية أصلا، وهى ترصد الثورة الجزائرية وحياة الناس قبلها وفى ظلها وبعدها، كما ترصد التغيرات الاجتماعية التى أصابت الجزائر، كما أصابت مصر وكل الوطن العربى، فحملتنا إلى المزيد من التشدد الدينى والأخلاقى، فعل ذلك من خلال مِريم التى كانت تطلق شعرها ولا تقيده، وكانت تنام على ساقه تحت شجرة بعيدة دون أن تقترف خطأ، وعن استطاعته أن يطوق خصرها وهما سائران من الشجرة إلى المحطة. ويرصده من خلال شخصية شيخ المسجد الذى يدعوه للصلاة على خلفية أنه أقرب منه لله وأعلم منه بالدين وممتلكا حق الخطاب باسم الله ومبادئه.


الآن يمكننى أن أقرأ «الغريب» لكامو لإعادة اكتشاف «معارضة الغريب» لكمال داوود، وليس العكس، فالرواية الثانية متماسكة وقائمة بذاتها، ولا تحتاج إلى معرفة مسبقة بتفاصيل ما لكى يتواصل معها القارئ، أو القارئ الخبير بالأحرى، كما حدث معى بالضبط وأنا أقرؤها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات