.

ألعاب جوع الثانوية العامة.. The hunger games

Foto

كيف أصبحت الثانوية العامة منافسة لا إنسانية؟ وما طرق التخلص من هذه المنافسة الظالمة لمعظم الطلاب؟


أتابع هذا العام الإعلان عن نتيجة الثانوية العامة التى يترقبها كل مَن له سجين قضى أحد عشر شهرًا بين قضبانها، وأنا أشعر أنى الأكثر حظًّا على الإطلاق، لكونى نجوت من هذا السباق منذ عامين.. على شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد سيصنعون  كعادتهم حالة تفرد براقة حول الأوائل على مستوى الجمهورية والمحافظات، ويستضيفونهم ككل عام فى بعض البرامج لسؤالهم عما ينوون فعله بحياتهم بعدما خرجوا من معركة الثانوية العامة منتصرين، ولا أستطيع بأية حال فى هذه اللحظات أن لا أتذكر المشهد الدرامى بفيلم (The Hunger games– ألعاب الجوع) فى أثناء تكريم الناجين بأعجوبة من ألعاب الجوع الشرسة غير الآدمية التى تُقام على أرض (بانيم) المُتخيَّلة.. أستطيع سماع صوت تصفيق الجمهور فى الاستوديو، وأرى بريق أضواء البرنامج التليفزيونى الذى يستضيف الناجيين، وينادى اسمَي (كاتنيس أفريدين) و(بيتا ملارك) اللذين خرجا حيين من تلك المباريات فى الجزء الأول من الفيلم.
أرى فيهما وجوه أوائل الثانوية العامة، فيتداخل المشهدان بقوة، ولا أستطيع التفرقة بينهما للحظات.. الكل يصفق للناجين ويهلل لهم.. الكل يعدُّهم أبطالًا.. الكل يضعهم قدوة نصب عينَى أطفاله: (عليكم أن تصيروا مثلهم، أن تحاربوا من أجل النجاة بمستقبلكم، إنهم أبطال، إنهم رائعون!). الكل يفعل ذلك متناسيًا أن هؤلاء الناجين قد مروا بمنافسة قاسية وغير آدمية، مطلوب منهم فيها أن يبذلوا ما بين أيديهم وما خلفهم، للنجاة بحياتهم/ مستقبلهم، ومتناسين أنه إن كان هناك بعض الناجين، فهناك آلاف المفقودين والخاسرين، الذين أجبروا عنوة على دخول منافسة أحادية لا تناسب قدراتهم، ولا تهتم باختلاف ملكاتهم، لتضعهم أمام خيارين: البقاء أو الفناء.
فى سلسلة أفلام (ألعاب الجوع)، بطولة جنيفر لورنس، والمأخوذة من ثلاثية روائية بنفس الاسم للمؤلفة سوزان كولنز، تقوم (الكابيتول)، وهى المنطقة المسيطرة على اثنتى عشرة مقاطعة تتكون منها دولة (بانيم)، بتنظيم منافسات دورية بين مختارين من أبناء هذه المقاطعات، حيث يوضعون غصبًا فى مكان أشبه بالغابة، ومطلوب منهم أن يقوموا بمحاربة بعضهم، ومحاربة الوحوش التى توضع فى طريقهم، ولا يتسنى لهم سوى التركيز على هدف واحد: الخروج من هذه المنافسة أحياءً، مما يؤدى إلى اقتتال الجميع وموتهم فى النهاية، ولا يتبقى إلا ناجٍ واحد استطاع أن يفر من هذه المعركة الدموية وقتل كل مَن يجده أمامه.. تحتفى به (الكابيتول) وتتوجه بطلًا مغوارًا لهذه الألعاب، ويتابع الجميع هذه المباريات فى شتى أنحاء البلاد بشغف وحماس، ما عدا البيوت التى يشارك أبناؤها فى هذه المنافسة غير الإنسانية، فلا همّ لهم سوى أن يظل ابنهم على قيد الحياة.
مشهد عبثى لا معنى فيه ولا رحمة، أليس كذلك؟ مستحيل أن يحدث فى الواقع، ويبدو أن هوليوود تبالغ كعادتها؟ ماذا إذن عن أن توضع كطالب ثانوية عامة مصرى لم يكمل العشرين فى لعبة شبيهة.. قواعدها صارمة ودخولها إجبارى ونتائجها حتمية.. أمامك كم هائل من المعلومات التى لا تؤتى إلا بالحفظ والتلقين، ومدارس حكومية وخاصة خاوية على عروشها من أساتذة يشرحون أو حتى يوجدون فى مواعيد عملهم، فلا يكون الحل إلا بدروس خصوصية أسبوعية فى كل مادة.. الكل يعرف كيف يقاتل الأب لادخار أموال طائلة شهريًّا من أجل توفير هذه الدروس فى كل المواد لابنه، وكيف يبيع البعض من ممتلكاته، ويزيد على عمله عملًا آخر، ويقترض المال من معارفه، فقط ليكفل لابنه نفس الأسلحة التى يتمتع بها باقى المتنافسين، وإن لم يفعل، فإن فرص نجاته تتقلص، وموته (دراسيًّا) يصبح أوشك.
ومع مرور الوقت وتوحش المنافسة واحتدامها، لم يعد الأمر يقتصر على منافسة واحدة محددة، بل يمتد أحيانًا لتقوم بعض العائلات فى المقاطعات الاثنتى عشرة بدولة (بانيم) بتدريب أبنائهم جسديا وذهنيا منذ الصغر، ليصبحوا مؤهلين للنجاة بحيواتهم عندما يكبرون ويشاركون مجبرين فى ألعاب الجوع فى أثناء مراهقتهم، فيستطيعون إظهار قدرات جسمانية فذة لا تتناسب مع مراهق عادى يعيش حياة سوية، وبالتالى تكون فرصهم فى النجاة أكبر من غيرهم.
ألا يشبه ذلك إلحاق الطفل المصرى عنوة بالدروس الخصوصية منذ المرحلة الابتدائية، وإجباره على المذاكرة لساعات طويلة ترهقه عصبيا ونفسيا، ناهيك بكورسات اللغات الأجنبية ومهارات الرياضيات للمقتدرين، فيقضى على طفولة الابن بعنف راقٍ بين الدروس والدورات والكورسات بدلًا من اللعب واكتشاف العالم من حوله وتكوين الصداقات؟ كل ذلك من أجل النجاة بدخول كلية يظنها الطالب وأهله، واهمين، أنها ستضمن له تعليمًا جيدًا، ومن بعدها فرصة عمل تساعده فى الحفاظ على شريحته الاجتماعية والاقتصادية أيا كان مستواها.
وبذلك يصير الاستموات (سيل الدروس الخصوصية- الغش الممنهج- الكليات الخاصة الباهظة) طريقًا لا مفر منه للكثيرين الذين يوضعون بين كفَّى الرحى.. إما ناجٍ مُكرَّم من نظام الكابيتول/ الثانوية العامة سيتمكن من الحصول على فتات مما قاتل لأجله، وإما خاسر يفقد ما كان له من أمل فى حياة كريمة، أو شبه كريمة.
إن اعتياد الجميع على هذه المنافسة اللا إنسانية، وفرحهم السنوى بمن نجوا فى هذا السباق، يشبه تماما اعتياد أهل (بانيم) على ألعاب الجوع ومتابعتها بشغف يعقبه تهليل للناجى فى كل دورة، وكلاهما فيه انتكاس للآدمية وزوال للمنطقية.. ولكن المشرق هو أننا قد لا نحتاج إلى المرور بكل ما مر به شعب (بانيم) فى الأجزاء التالية من الفيلم، حتى نتخلص من هذا النظام الظالم، لا نحتاج إلى ثورات وأسلحة وقتلى وخطط حرب، الأمر أبسط من ذلك بكثير.. إدراك حقيقى لما يتسبب فيه هذا النظام من تدمير للطالب المصرى وأسرته، يليه وضع نظام آدمى يمنع تحديد مصير الطالب على هذه السنة الحمقاء.. هكذا ببساطة يكون الحل يا من تقومون على أمر هذا البلد وشعبه! بهذه البساطة التى لن تحتاج إلى عنف منا ولا عبقرية خارقة منكم! لأن هذا سيؤدى تلقائيا إلى انهيار هذه اللعبة العبثية بأكملها، لتنمو مكانها سنة دراسية عادية، يجتازها الطالب بهدوء دون أن يكون مجبرا لخوض معركة البقاء إياها، وينتقل بعدها إلى مرحلته الجامعية التى تحددها رغباته ومهاراته لا عدد كيلوات الورق التى حفظها عن ظهر قلب.
وإلى ذلك الحين الذى أتمنى أن لا يكون بعيدًا، لا أملك إلا أن أقول لمَن سيبدؤون دورة جديدة من ألعاب جوع الثانوية العامة ببدء الدروس الخصوصية الشهر المقبل فى منتصف أغسطس: (May the odds be ever in your favour – عسى أن تكون فرص النجاة دائما لصالحك)، تمامًا كما يُقال للمنافسين فى ألعاب الجوع قبل أن يبدؤوا منافستهم على النجاة بحياتهم/ مستقبلهم..

LET THE HUNGER GAMES BEGIN!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات