.

«لا مؤاخذة.. قبطى»

Foto

مطلوب «تطبيع» ليس فقط مع التاريخ القبطى لمصر، المسقط عمدًا من تاريخ مصر، ولكن مع كل مفردات الطقس والحياة.. مطلوب أن لا يظل كل ما يخص أقباط مصر حلقة مغلقة وأمرًا سريًّا


كلمة «لا مؤاخذة» هى اعتذار سابق عن لفظ أنت مضطر أن تقوله.. وأنا أزعم أن الجو العام بهيمنة تياراته المدمرة لمصر إجمالاً، ورياح «السموم» التى تنفذت فى خلايا مصر، بكل مكوناتها، فى العقود الأخيرة، قد أوصلت كل ما يخص «المصريين الأقباط» إلى مرحلة أشبه باستخدام «لا مؤاخذة» فى كل ما يتعلق بحياة المصريين الأقباط!


خُذ بعض حبوب الشجاعة على طريقة عم فؤاد المهندس، فى قصة على ما أظن ليوسف السباعى (الحقيقة مش متأكدة)، وسيبك من الأحضان والبوس ودعك من كل الشعارات من أول الهلال مع الصليب وحتى الاستشهاد بأن نبينا، عليه الصلاة والسلام، تزوج مارية القبطية، ولا تفكر فى أن الأقباط أصل مصر، وحياة عينيك استبعد التاريخ المزور الذى يستخرجه كل مسلم من جيبه عند الحاجة لما يكتشف أن أعز أعز أصدقائه اسمه «مايكل» وأن جارة أُمِّه اللى وقفت جنبها فى مرضها هى طنط «جورجيت».. حقيقة الأمر أن أسماء مايكل وجورجيت ومينا وجورج وفانوس وعبد الشهيد وإسطفانوس تصيب الأغلبية المسلمة بخطوة إلى الوراء، حتى يتسنى لهم أن يفتحوا قوس «لا مؤاخذة قبطى»!


ولو أن حبوب الشجاعة استمر مفعولها فقُل إن الأغلبية المصرية المسلمة تحتاج إلى مجرد «قبول» الأقباط دون كلمة «لا مؤاخذة»! مجرد القبول والاعتراف بأنهم مصريون.. نحن نحتاج إلى «تطبيع» مع المصريين الأقباط! و«تطبيع» من الطبيعة، يعنى أن مجريات حيواتهم تبقى طبيعية.. صلاتهم.. طقوسهم.. أكلهم.. دمهم أحمر وعضمهم مش أزرق.. شوية تطبيع لا تجعل الأطفال يغنون «الكنيسة وقعت والقسيس مات»! ولا تجعل من انضمام شبل يحب كرة القدم إلى أشبال نادٍ مشكلة قومية.. قدر من التطبيع لا يعطى الحق لمدرسة منتقبة أن تجز ضفيرة الطفلة القبطية، ولا أن ترى فيها مشروعًا لعاهرة!
كتير ده؟! يعز عليك أن تكون «خلاصة» ما تطالب به، أو جزءًا مما تراه لصحة الوطن، أن يكون هناك «تطبيع» ما بين الأقباط ومصر! هذه حقيقة.. أتصور أن جزءًا رئيسيًّا يتوقف على الإقرار بأننا لا نريد أن نقر! وعلينا أن نواجه ونعترف أن الأقباط يحتاجون إلى «تطبيع» وأن المسلمين يحتاجون إلى أن يطبّعوا مع الأقباط، وأن المشكلة أننا مصابون بنوع من «الحَوَل»، نتكلَّم فى اتجاه ونمارس عمليًّا نقيضه.. سمِّه انفصامًا.. انقسامًا.. سمه ما شئت، لكن أولى الخطوات أن تعترف أن مصر الرسمية قبل الشعبية تواجه نفسها، وأن تعترف أنها بترضع «الإرهاب» فى صورة دروس أولى للأطفال، وأنها لا تعترف بغير دين واحد، وأن القيامة التى قامت فى وجه واحد مثل الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة فى وزارة التعليم العالى، ومن وزير التعليم العالى نفسه، ومن أعضاء مجلس الشعب، لأنه ألغى خانة الديانة من أية أوراق أو مسوغات رسمية تصدر من جامعة القاهرة، كانت أمرًا طبيعيًّا فى ظل واجهة رسمية، إنما فعلت وتفعل ذلك ليظل المصرى القبطى يسبق التعريف به لفظ «لا مؤاخذة قبطى»! وسيبك من كلام «فض المجالس»، وانظر إلى المحكات، انظر إلى دولة تعجز عن أن تلزم خطباء بعض الزوايا والمساجد بمجرد التزام «آداب»، ولو أن يكفوا على الدعوة على الأقباط بالموت والحرق!


مطلوب «تطبيع» ليس فقط مع التاريخ القبطى لمصر، المسقط عمدًا من تاريخ مصر، ولكن مع كل مفردات الطقس والحياة.. مطلوب أن لا يظل كل ما يخص أقباط مصر حلقة مغلقة وأمرًا سريًّا، وموضوعًا مقفولاً يعامل كأنه خارج عن الشرعية.. الذين تربوا فى مدارس الراهبات، وأنا واحدة منهم، تعلموا القرآن والصلاة فى هذه المدارس، وكانوا فى نفس الوقت يشاركون فى احتفالات الأعياد داخل كنيسة المدرسة.. لم نسمع أن أحدهم غيَّر من عقيدته ولا أحس بمشاعر سلبية إزاء عقيدة زملائه.. أتذكر أننا كنا نتعلَّم من الراهبة أن نبدأ اليوم فى الفصل بالوقوف، كل منا يقرأ فى سريرته آية من كتابه.. كان المسلمون يغمضون أعينهم ويقرؤون فاتحة الكتاب وقد «ربَّعوا» الأذرع، والأقباط يرسمون علامة الصليب وهم يتلون فى سريرتهم أيضًا آيات من الإنجيل.. ثم يجلس الجميع لنبدأ الدرس.. كان الأمر يبدو فى غاية البهجة، لمّا نتشارك حضور صلاة عيد الميلاد أو الفصح.. المدهش أن المسلمين الذين نالوا هذه التربية حين غادروا مدارس الراهبات إلى مدارس مدنية، مثل «الليسيه»، فى حالتى، كانت علاقتهم بالدين جوهرية، وكانوا أكثر التزامًا بالشعائر الإسلامية ممن لم يمروا بمدارس الراهبات، لكن كان صلب الموضوع أن الدين فى أساسه يقوم على فكرة «الضمير»، الضمير الذى لا يسمح لك بأن تغش أو تكذب أو تقوم بشىء دون علم أهلك.. فى الوقت نفسه كان جزءٌ من حياتهم وفى وقت مبكر أن يدركوا أن البشر مختلفون، وأن هناك دروبًا متباينة للوصول إلى العلاقة بالله.. لا يصدمهم رؤية الصليب، سواء كان مطبوعًا على يد أو معلقًا.. لا يرون فى عوالم زملائهم المختلفين ولا فى أيقوناتهم أو طقوسهم أية غرابة.
أزعم أن «السرية» و«الحجب» هما اللذان يؤسسان للغربة ما بين المختلفين.. لا أحد يريدك أن تغيِّر مما تعتقد.. على العكس، لا يمكن أن أغفل أن مدرسة الراهبات كانت تخصص عددًا من السيدات الفضليات، من مدرسات اللغة العربية، لتتعلم البنات المسلمات على أيديهن كل التفاصيل الصغيرة لإقامة صلاة سليمة، وكانت لكل طالبة مساحة أو درج فى دواليب موجودة بما كان يطلق عليه «أودة الدين» تحتفظ فيه بطرحة وشبشب وفوطة وسجادة صلاة، وأن البنات المسلمات لما وصلن إلى سن العاشرة فما فوق تولَّت أكبر المدرسات سنًّا مهمة شرح مبسط للتغيُّرات الفسيولوجية التى سوف تطرأ على أجسامهن، والتى تستدعى ما هو أكثر من الوضوء المتعارف عليه.. أجزم أن الجهد الذى كان يُبذل من الراهبات لتربية إسلامية حقيقية يتجاوز كل ما يمكن أن تراه فى مدرسة أخرى.. الفارق أن هذا كان يتم للمسلمات فى مجال دينهن وأيضًا للقبطيات فى مجال عقيدتهن.. تذهب كل واحدة لتصلِّى لدينها، وتعلم فى الوقت نفسه أن صديقاتها المختلفات «لا يحضرن عفاريت» فى الكنيسة بل يتجهن عبر طريق مختلف إلى الله.. المدهش أن المجتمع المصرى يسمح ويرضى بإقامة ضريح يقدسه لـ«مجذوب»، أو فاقد لعقله، ويصبغ قداسة على مجموعة من الأحجار يرقد تحتها «عبيط» من القرية، ويعادى كنيسة تعلق الصليب ويحجبها ويطاردها، ويسبغ على الأقباط مسحًا من عدم الشرعية، بل لا يكاد يعترف لهم بأى حق فى أن يتجهوا إلى الله عبر طريق لهم.


أول ما ينبغى عمله هو إعادة الشرعية إلى تدريس الحقبة القبطية من تاريخ مصر كجزأ أساسى من تاريخ مصر.. ببساطة تاريخ المرحلة القبطية جزء من تاريخ مصر، مثله مثل المرحلة الفرعونية والإسلامية والحقبة اليونانية و.. والثانى هو الانفتاح على الثقافة القبطية أيضًا كجزء أصيل من الثقافة المصرية.. من معرفة مكونات الطقس الدينى وحتى الفن والترتيل.. الأيقونة والأنشودة والرمز.. وقبل كل ذلك استئصال كل معانى الاستئثار بشرعية العبادة وقصرها على الإسلام.. لا أحد مطالب بأن يغيِّر ما يعتقد، ولا أحد من حقِّه أن يعلِى من شأن ما يعتقد على حساب ما يعتقده الآخرون.. هل يذهب الأطفال فى مدارس الدولة إلى المتحف القبطى؟ ربما لم يعودوا يذهبون حتى إلى المتاحف المصرية عمومًا، لكن المتيقن أنهم لو ذهبوا إلى المتحف المصرى والإسلامى فلن يطرح عليهم المتحف القبطى.. عار ما بعده عار.


وأن تكون الجملة التى يتعلمها طفل المرحلة الابتدائية فى حصة الخط هى «كل دين غير الإسلام باطل»! هذه سكين.. نصل.. قنبلة توزع بمنتهى الطبيعية والشرعية على طفل فى السادسة أو السابعة، هى «الرضعة الأولى» من وزارة التربية والتعليم فى الدولة المصرية، التى لا تتردد على أن تتجه باتهام واضح ومباشر إلى المسيحيين وتقول هؤلاء هم «الضالون».. اختارت الدولة رسميًّا أن تعلم ابن السادسة أن ينظر إلى الجالس فى نفس الفصل على أنه «ضال» ما دام قبطيًّا.. لم تجد قريحة المزاج السلفى غير هذا لتقرؤه، «الفاتحة» وكأنها تقدم التمهيد لما سوف يلى ذلك من تصعيد.. الدولة الرسمية «تقطر» الإرهاب مع الرضعات الأولى، وهى تشتغل بآليتَين: أولاً الحجب والإسقاط ونزع الشرعية عن كل ما هو قبطى، حتى لو كان تاريخًا موثَّقًا، وإخراجه تمامًا من الحيِّز المصرى (وقريبًا، إن تُرك الأمر على ما هو عليه سوف يتم إسقاط التاريخ الفرعونى ومصر القديمة بيونانيتها ورومانيتها، طبعًا بعد أن يتم تكفيرها)، ثم الآلية الثانية هى تقطير الكراهية وإذابتها فى المناهج الرسمية.. المنهج يقول إن كل دين غير الإسلام «باطل».. هذا أول ما يتلقاه ذهن الطفل.

طيب، لماذا نعاقبه إن كبر واسترجل وراح يقتل الباطل؟ ما هذا التناقض؟ إن راح يقضى على الباطل قالت عليه الدولة إنه إرهابى، وكل ما فعله أنه أخذ «كورس» الكراهية «والاحتقار» وازدراء عقيدة الأقباط، وتعلم ألف باء نبذ كل ما يتعلق بالأقباط، بعد ذلك من مدرسين أوفياء لـ«المنهج الرسمى»، ليكون أكل الأقباط نجسًا، وليكونوا كافرين ومزيّتين وعظمة زرقاء، وأصبحوا «لا مؤاخذة» أقباطًا، وكفى..


أحد المصريين الأقباط، فى حادث الكنيسة البطرسية، أظنه فقد الزوجة وابنه.. ذهبت إليه الكاميرا فى العزاء، انفعل الرجل إنسانيًّا، وصف مرتكب المصيبة بأنه «كلب»، فى اليوم التالى كان ضيفًا على برنامج.. استهل كلامه بالاعتذار.. اعتذر عن الوصف وقال إنه ما كان عليه أن يحيد عما علمته الكنيسة، وأن عليه أن يواجه حتى مَن أراد به شرًّا: بالحب.


لا تقُل أرجوك كلمة واحدة بل اترك لى حق الاعتراف، الاعتراف الذى أتحمل مسؤوليته بأن المصريين الأقباط علمتهم الكنيسة كيف «يحبون»، فى حين أن أغلب الزوايا والمساجد التابعة لرياح السموم، لم تملأ مرتاديها إلا بالكراهية والغل.. يكرهون كل ما حولهم.. الثقافة.. البشر.. البلد.. الحياة.. يكرهون حتى أنفسهم فيفجرونها.


الحقيقة أن «القبطى» الذى لم يرفع علامة اعتراض واحدة والإخوان يحرقون له سبعين كنيسة، المخلص والمحب حتى الاستشهاد، والذى يعتذر حتى للقاتل، عن وصف «الكلب» (مع أن الكلب هو مَن ينبغى الاعتذار له).. هذا القبطى الذى اتهموا كنائسه وأديرته يومًا كذبًا بأن السلاح فيها أشكال وألوان.. هذا القبطى لهو الذى عليه أن يبصق التابعين لرياح السموم والمتواطئين بالصمت والحَوَل والرسميين الذين يكذبون ويدعون أن الأقباط لهم حقوق «مواطنة» والرافضين لنزع خانة الديانة من الأوراق الرسمية المصرين على أن دينًا وحيدًا هو الذى لا ينبغى ازدراءه، وأن من حق المسلمين أن يدعوا بالشفاء للمرضى المسلمين وحدهم، والمحرضين بالصمت.


كل هؤلاء.. والقائمة أكبر من أن يتسع لها المجال أحق بلفظ «لا مؤاخذة» ومن بعده نقط...!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات