.

فانتازيا القصائد وآلام الكتابة

Foto

منذ الصفحة الأولى ستدرك أن روح طفولية تتعامل مع النص الشعرى أو فعل الكتابة على أنه لعبة


ترى ما الذى سيخطر ببالك حين تلمح كتاب يحمل عنوان «اخترعت برتقالة»؟ ربما ستفكر فى محتوى الديوان الذى سيدهشك بقصائده المكتوبة بهزل أصله جد، وروح طفولية أغرقها الشيب، فالشاعر عصام أبو زيد المتمرد دائمًا على القوالب والقواعد المألوفة للشعر.. يبدو أنه لا يهتم بمسألة الوزن والقافية أو الشكل النمطى للقصيدة.. ولكنه يعول بشكل كبير على الوصول بفكرته الخيالية لذهن القارئ.. يكتب بروح العاشق المغامر.


منذ الصفحة الأولى ستدرك أن روح طفولية تتعامل مع النص الشعرى أو فعل الكتابة على أنه لعبة «أكتب لأن طائرة فى نهاية النهار تسقط فوق الحقول، ولا تتحطم.. تفزع الحقول، وتحترق فراشة كبيرة ملونة.. وكذلك فى مقطع من قصيدة أخرى.. «اكتبى فى الهواء كلمة واكتب كلمة.. تحب الأماكن العاطفية أن نسجل ذكرياتنا الجميلة فى الهواء.. حتى إذا مشينا وجاء عاشقان جديدان،  وجدا فى الهواء عطرًا تدفق كلما تكلما».. يظهر جليًّا للقارئ رغبة الشاعر فى التمرد على الشكل المعروف لكتابة القصيدة.


لم يضع الشاعر عصام أبو زيد عناوين لقصائده وفضل أن يعطيها أرقامًا وصلت لرقم خمس وثمانين قصيدة، تبدو القصائد وكأنها نص حوارى طويل بين أبو زيد وحبيبته معبر عما يدور برأسه ببساطة رغم تعدد أسماء النساء فى قصائد الديوان، مثل مطلع قصيدته رقم 80 «أوووه كارولينا.. نسيت أن أحبك هذا الصباح»، لكن مع نهاية الديوان ستشعر وكأن الحبيبة التى يحدثها الشاعر ربما تكون هى «نفسه» وربما لهذا السبب تعددت الأسماء فى القصائد.


على الرغم من أن الديوان يعتبر عاطفيًّا فإن الشاعر عبر عن ثورته ضد الحب فى أكثر من قصيدة مثل «أنا فى البلكونة»:
تعالى وقفى إلى جوارى
الحب أيضًا سجن كافر وقاتل
يقتل الصداقة مثلًا «كذلك» الحب يحدث ويتكرر
كما نشرب الشاى
كما ندخن سيجارة
ولكننا، فى العادة
نحب النوم
نحب الهبوط الاضطرارى


فى مربع الكآبة «و» وأنت تضعين أحمر الشفاه تذكرى أن الحب ليس عملة نادرة.


ولأن روح الفانتازيا مسيطرة بشكل عام على أجواء الديوان،  كان لبعض الكلمات حضور قوى فى القصائد مثل الجنون والموسيقى، العطر والمخدرات، الكتابة والأشجار، أظن أن هذه المفردات هى الرابط الذى جمع التجربة بأكملها فى هذا الديوان الممتع، لدينا هنا مقطع «عقلك الصغير عندما يتجمد يصبح نقيًّا»
يخلو من أكاذيبك الكثيرة


وخوفك المجنون،  كذلك «أنا كاتب يوميات الجنون»
رفيق دربه وحامل الأسلحة الفتاكة.


رغم أن الديوان يحمل عنوان «اخترعت برتقالة» فإنك لن تعثر على قصيدة تتناول البرتقال بل النعناع برائحته المنعشة وأوراقه الخضراء سيطرت على روح بعض النصوص وأبياتها.


 كان فعل الكتابة وعذاب تأليف قصيدة جيدة أحد الموضوعات البارزة فى الديوان مثل مقطع «كان أسبوعًا جيدًا على أية حال».


تغلب عليه الأخطاء الجميلة فى الكتابة، «أو» هذه القصيدة لم يكن فى جوارها أحد وقت أن تحطمت فوقها الدنيا، كانت بمفردها تجمع شظايا روحها التى تطايرت،  وتناثرت.


صدر ديوان «أخترعت برتقالة» عن دار روافد للنشر بالقاهرة، ووضعت المبدعة غادة خليفة لمستها على غلافه الذى لا يقل جمالًا عن القصائد، وكأنها هى الأخرى أرادت أن تلعب وتلهو بالألوان والأفكار، «البرتقالة» مكتوبة فى العنوان ولكن «الفلفلة» الصفراء تتصدر الغلاف.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات