.

نصائح أورهان باموك للروائى الساذج الحساس

Foto

تأثيرات الروايات على قرائها، كيف يعمل الروائيون، وكيف تكتب الروايات؟ أفضل طريقة لدراسة الرواية هو قراءة روايات عظيمة والرغبة فى كتابة شىء مشابه لها.


بعد حصول الروائى التركى أورهان باموك على جائزة نوبل عام 2006، يقدم لنا خبراته فى فن الرواية، فى كتاب «الروائى الساذج والحساس» منشورات الجمل، ترجمة ميادة خليل.

فيقول: هذا الكتاب هو كلٌّ متكامل عن معظم الأشياء المهمة التى عرفتها وتعلمتها عن الرواية.

تأثيرات الروايات على قرائها، كيف يعمل الروائيون، وكيف تكتب الروايات؟ أفضل طريقة لدراسة الرواية هو قراءة روايات عظيمة والرغبة فى كتابة شىء مشابه لها.


ويتساءل الكاتب: كيف تعمل عقولنا عندما نكتب أو نقرأ رواية؟ نتصور أن عالم الرواية أكثر واقعية من الواقع نفسه أو أننا نخلط بين الواقع والروايات.

ولكننا نحزن بالفعل إذا فشلت الرواية فى تعزيز تصورنا أنها حياة حقيقية.

نقرأ الروايات ونفترض أنها حقيقية، لكن فى مكان ما فى عقلنا نعرف جيدا أن افتراضنا خاطئ، هذه المفارقة تنبع من طبيعة الرواية.


يعرّف الروائى والقارئ «الساذج»: هم الذين لا يشغلون أنفسهم بالجوانب الفنية لكتابة وقراءة الرواية. أما الكاتب والقارئ «الحساس» فهم الذين يولون اهتماما كبيرا بالأساليب التى يستخدمونها فى كتابة الروايات والطريقة التى تعمل بها عقولنا عندما نقرأ.

«أن تكون روائيا هو الإبداع فى أن تكون ساذجا وحساسا فى الوقت ذاته». الرواية الحديثة هى تماما مثل اللوحة. «يمثلها الكتاب الفرنسيون مثل ميشال بوتور وآلان روب غرييه».

قراءة الرواية مثل زائر المتحف الذى يرغب فى الترفيه عن حاسة البصر. تظهر ألوان ثم تختفى لتتحرك الظلال. تظهر قدرة الكاتب فى الاهتمام بالتفاصيل البصرية، وقدرة القارئ على تحويل الكلمات إلى مشهد طبيعى كبير عن طريق التخيل.


ويفترض «خوسيه أورتيجا إى غاسيت» بأننا نقرأ الروايات الرخيصة الثمن «البوليسية والتجسس والحب» لنعرف ما يحدث بعد ذلك، أما الروايات العصرية التى نطلق عليها «الرواية الأدبية» من أجل أجوائها. أجواء الرواية هى شىء ما أكثر قيمة، هى مثل -لوحة مرسومة- وتحتوى القليل جدا من السرد، وهذا يجعلنا نحفز مخيلتنا من خلال البحث عن المحور السرى فى الرواية، وهذا يجعلنا ننتبه ونتذكر ونخزن كل تفاصيل المشهد، نبحث عن المحور، عن شىء عميق فى الرواية يسميه تولستوى «معنى الحياة» ويمكن أن نسميه أى اسم آخر، هذا المحور هو «حلم تحقيق معرفة قيمة وعميقة عن العالم والحياة، بدون الحاجة إلى حسابات فلسفية معقدة أو تحمل الضغوط الاجتماعية للدين.

هى أمنية عادلة جدا وديمقراطية جدا».


عندما نقرأ بعض الكتاب نكون معهم أكثر ارتباطا بالكلمات والحبكة، بينما كتاب آخرون يؤثرون علينا من خلال ملء عقلنا بالصور. المعرفة التى يقدمها لنا «ديستوفسكى» تحاكى خيالنا اللفظى.

ومعرفة «تولستوى» تتجاوز الخيال اللفظى والخيال البصرى. عندما نغلق عيوننا ونفكر فى موضوع ما، هل كان يمر خلال عقلنا لحظة التفكير، أفكار أم صور؟ ممكن أن يكون كلاهما أو أحدهما، نفكر بالكلمات أو بالصور. وقد ننتقل بالتفكير من الأفكار إلى الصور ولكن المؤكد أن كل نص أدبى يميل إلى استخدام أحد المحورين فى عقلنا أكثر من الآخر.


يقول باموك «هذه من أقوى قناعاتى: الروايات فى جوهرها هى خيال بصرى». الدافع الإبداعى لكتابة الروايات يحفزه الحماس والرغبة فى التعبير عن الأشياء البصرية. يجب أن يكون مشهد الرواية من كلمات وحوارات وكل شىء مرئيا ينبغى أن يتم تصوره كجزء لا يتجزأ وكامتداد لمشاعر البطل.

هذا يمكن تحقيقه بواسطة محور الرواية السرى: «هذا المكان الذى أسميه المحور، والذى يشعر به الروائيون فطريا، هو من الأهمية بحيث أن مجرد التفكير بتغييره يعطينا شعورا بأن كل جملة وصفحة من روايتنا قد تغيرت واكتسبت معنى مختلفا تماما، محور الرواية هو مثل الضوء الذى يبقى مصدره غامضا ومع ذلك يضىء الغابة بالكامل».


يعتقد الكاتب أن أكبر إنجاز للروائى كمحترف وفنان هو القدرة على بناء شكل الرواية على أنها أحجية، لغز يكشف حله محور الرواية، وأن الروايات العظيمة مثل «آنا كارنينا» و«البحث عن الزمن المفقود» و«الجبل السحرى» و«الأمواج»، تخلق الأمل وتحيى وهم أن العالم يمتلك محورا ومعنى، ولأنها تمنحنا السعادة من خلال تعزيز هذا التفاؤل، كلما طوينا صفحة من صفحاتها.

نرغب فى إعادة قراءتها ليس لأننا عرفنا المحور ولكن لنجرب شعور التفاؤل هذا مرة أخرى.


«الطريقة الوحيدة لإيجاد معنى أعمق، أكثر عمقا فى العالم، هو فى قراءة الروايات الأدبية العظيمة، عندما نقرؤها، ندرك بأن العالم وحده، بل وحتى عقولنا تمتلك أكثر من محور واحد». هذه الروايات تقدم توازنا فريدا فى حياتنا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات