.

الرسول لم يتوضأ بماء الجيف والمحائض ولحم الكلاب

Foto

ما الذى ترتب على التوسع فى نسبة الأحاديث المزورة إلى النبى؟ كيف لم تنجُ الأحاديث المتعلقة بأبواب العبادات نفسها من التناقض؟ على أى وجه قبلَ رجال الفقه وأهل الحديث أخبار «بئر بضاعة»؟


يقول «الحازمى الهمذانى»، وهو من كبار رجال الحديث فى القرن السادس الهجرى: «ناسخ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنسوخه، علم جليل ذو غور وغموض دارت فيه الرؤوس، وتاهت فى الكشف عن مكمونه النفوس».

وينقل عن «الزهرى» قوله: «أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله من منسوخه»!


تجسِّم الفقرة السابقة حجم الكارثة التى آل إليها تضخم منظومة الحديث المنسوب إلى النبى، والمنسوج على لسانه، والمفترى عليه قوله، وهو التضخُّم الذى أعجز علوم الفقهاء وجامعى الحديث وأدواتهم الشكلية فى نقد السند وسلاسل الرواة، عن إيقافه. فبعد أن تم تقديس أقوال النبى والصحابة واعتبارها وحيًا من وحى الله، كالقرآن سواء بسواء، تسابقت الفرَق السياسية والمذاهب الفقهية المتصارعة من أجل الانتصار لآرائها المختلفة بعزْى مقولات السياسة واجتهادات الفقهاء إلى النبى وإثباتها بلسانه.

وكان لجوء الفقهاء إلى تفعيل أداة الناسخ والمنسوخ، أى اعتبار الحديث اللاحق ناسخًا ولاغيًا للسابق، أسوةً بما فعلوا بآيات القرآن الكريم، محاولةً منهم لتسوية تلال التناقض المهول الذى تراكم عبر قرون من تلال الحديث المنسوب إلى النبى، وكلها مرويات وأخبار ينقض بعضها بعضًا نقضًا عنيفا لا سبيل إلى التوفيق بينه.


وبدءًا من أبواب الطهارة والوضوء حتى أحكام الصلاة والزكاة والحج وسائر المتعلقات العبادية، إلى أبواب النصائح والمعاملات والعقائد والأخلاقيات والحكم والهدى النبوى، انفتحت على علماء الحديث جبهات من الروايات المكذوبة والمتعاركة بصخب لا يمكن درؤه، وأخذت هذه الجبهات تتسع ويزداد صخبها مع توالى القرون وازدياد ما يُصك على لسان النبى من مقولات الفقهاء والصالحين وأبناء الفرَق الإسلامية المتصارعة مذهبيًّا وسياسيًّا.


وهناك آلاف من الأمثلة المذهلة التى يستشهد بها الباحثون فى هذا السياق، والتى توالت محاولات رجال الحديث عبر القرون، للتوفيق بينها ونسخها ورأب تناقضاتها دون جدوى، فلم يكن معروفًا على وجه اليقين -بافتراض صحتها شكليًّا- أى هذه الأحاديث يسبق الأخرى، حتى يمكن تحديد ناسخها من منسوخها.

ورغم افتراض أن أوسع نطاق من الاتفاق يتوفر حول أبواب العبادات فى الفقه الإسلامى، فإننا سوف نذهل لحجم التناقض فى ما يُعزَى للنبى فيها، ولو تعلق الأمر بأدنى تفصيل من تفاصيل أبواب العبادات فى كتب الفقه والحديث، مثل باب «ما يبدأ بوضعه فى السجود: اليدين أو الركبتين؟». إذ تجد فيها -مثلا- رواية عن «أبى هريرة» أن النبى قال: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه ثم ركبتيه».

وفى المقابل وعلى لسان «أبى هريرة» نفسه، ينسب إلى النبى القول: «النبى -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه». ثم يأتى الحديث الثالث على لسان «أبى هريرة» كذلك، ليقول: «إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الفحل»!


أما فى أبواب «وجوب الوضوء من مسّ الفرج»، فنجد حديثًا منسوبا إلى النبى من طرق مختلفة، يقول: «من مس فرجه فليتوضأ»، لكن يأتى على ضده حديث آخر سُئل فيه النبى عن مس الرجل فرجه، فأجاب: «هل هو إلا بضعة منك أو مضغة منك؟»، ثم لا يلبث أن يأتى حديث ثالث لا يوجب الوضوء على من مس فرجه إلا فى حال الصلاة فقط! وفى أبواب «البول قائما» تجد حديثًا مرويا على لسان أم المؤمنين «عائشة»، يقول: «ما بال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا منذ أنزل عليه القرآن»، لكن «حذيفة بن اليمان» يؤكد فى المقابل أنه رأى النبى «بال وهو قائم على سباطة قوم».

وتتوالى المرويات التى تؤكد بول الكثير من الصحابة قائمين!
وفى أبواب «أحكام الطهارة» كذلك، يروى عن «عثمان بن عفان» أنه سأل النبى عن الرجل يجامع أهله فلا ينزل، فأجابه النبى: «ليس عليه غسل». وهو ما يؤكد مثله عدد من الصحابة أيضا بقول سائر هو «الماء من الماء»، أى ماء الغسل من ماء المنى، وثانيهما يوجب أولهما. وهو ما يؤكده «أبو هريرة»، فيقول: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: إذا أتى أحدكم أهله فعجّل ولم ينزل فأقحط فلا يغتسل». وإزاء هذا التأكيد على عدم وجوب الغسل فى حال عدم الإنزال، هناك طائفة أخرى من الأحاديث تؤكد وجوب الغسل فى حال عدم الإنزال، ومنهم هذا الحديث ذو المنطوق العجيب: «جاء أبو موسى إلى عائشة -رضى الله عنها- فقال: إنى أريد أن أسألك وأستحى. فقالت: لا تستحِ فإنما أنا أمك. فقال: الرجل جامع ولا ينزل؟ فقالت عائشة: على الخبير سقطت، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إذا جلس بين الشعب الأربع ثم ألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل».


وبوسع المتأمل جيدا فى منطوق الحديث السابق، أن يجزم بأنه لم يخرج إلا من عقل فقيه وبأسلوبه، ويستحيل -مهما قيل عن صحة إسناده- أن يكون مصدره هو الفصاحة النبوية.

غير أننا، إن لم نتجاوز هذا الباب الذى تؤثره كتب الفقه والحديث بالصدارة -باب الطهارة- يمكننا أن نسترسل عبر عشرات الصفحات فى ذكر الأمثلة الصارخة الدالة على حجم التناقض فى ما نُسب إلى النبى فى هذا الباب وحده فقط. غير أننا لن نغادره قبل أن نرتطم بصدمة مذهلة، هى أحاديث «بئر بضاعة».

ودون شرح طويل، سأضع أمثلة مما نسب للنبى زورًا وبهتانًا عبر عشرات الأخبار المتصلة بهذه البئر العجيبة. وهى أخبار لم تكتفِ كتب الفقه والحديث بتداولها بل وقدستها، معتبرةً أنها لو لم تصح لا يصح شىء من أمور ديننا بكليته، ومعتبرة أن «كل من كذَّب بعض ما جاء به الرسول كمن كذَّب به كله»!، وهذا شأن هذه الكتب وشأن واضعيها، لكن شأننا أن نطعن عليها ونكذِّب ما جاء فيها وننزه عنه الإسلام والنبى.

وإليك قليل مما جاء من أخبار صادمة حول «بئر بضاعة»، وقد وردت فى كل من: مسند أحمد، وسُنَن أبى داود، والترمذى، والنسائى، والدارقطنى، والبيهقى، وغيرهم:
عن أبى سعيد الخدرى من طرق مختلفة، أن «رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يتوضأ من بئر بضاعة، فقيل له: يا رسول الله، إنه يلقى فيه الجيف والمحائض، فقال إن الماء لا ينجس».

وفى رواية أخرى قيل له: «إنها بئر يطرح فيها عذر الناس (جلدة الختان) ومحائض النساء ولحم الكلاب».

وفى رواية أخرى قيل له: «ويلقى فيها ما يُلقى من النتن». وكان الجواب دائمًا: «إن الماء طهور لا ينجسه شىء»!


أما «أبو يحيى الأسلمى» فقد نقل عن أمه أنها قالت: «دخلنا على سهل بن سعد فى أربع نسوة، فقال: لو سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك. وقد سقيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها بيدى».

وعن «جابر بن عبد الله» و«أبى سعيد الخدرى» قالا: «كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما لكم لا تستقون؟ فقلنا: يا رسول الله، هذه الجيفة؟ فقال: استقوا، فإن الماء لا ينجسه شىء».


وهذه أمثلة قليلة فقط!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات