سيرة حياة.. «مصرية»

Foto

رحت إلى مذكرات «ليلى توفيق دوس»، بذهن «مؤرق»، وحيرة غامرة، كأنما كنت أسعى للتأكد من فكرتَى «التحقق» و«الإنجاز»


تخيَّرت وقفةً معها، رغم رحيلها قبل ما يقرب من عام ونصف العام، ظانة أن مشوارها الذى أمد الله فى طوله ليتجاوز التسعين بثمانية أعوام، سوف يكشف عن سيرة حياة «راهبة» وهبت رحيق العمر للعمل التطوعى، وتحديدًا لمكافحة مرض السل أو «أيقونة» من أيقونات العمل الأهلى فى تاريخ مصر التى عرفت باسم جمعية «تحسين الصحة».. فـ«ليلى دوس» عقود من العمل التطوعى.. رحت إلى مذكرات «ليلى توفيق دوس»، بذهن «مؤرق»، وحيرة غامرة، كأنما كنت أسعى للتأكد من فكرتَى «التحقق» و«الإنجاز»، عندما يكون مسارهما منحًا وبذلاً لأجل الآخرين.. كان الأمر فى البداية ينصب على مجرد خاطر واحد يسير فى اتجاه عقل يفتش فى تاريخ الجمعيات الأهلية فى مصر، أو العمل الأهلى، فإذا بليلى دوس ومذكراتها أشبه بـ«الومضة»، وإذا بى أمام واحدة من أصدق وأعذب ما كتب من سير إنسانية مصرية.. تفيض بالتجربة وتحكى ببساطة وشجاعة وتخوض بسلاسة وقوة، غير عابئة إلا بأن تكون «الكتابة» صنوًا لتجربة هادرة، مفعمة وجياشة بالحياة، دون انصياع لأى إغراء ادعائى يفرضه مجتمع «زيِّف عشان الصورة تطلع حلوة».. سيرة تمنحك أملاً فى الاستمرار.. والتجدُّد.. تخيَّل إنسانة تقرر فى سن الخامسة والستين أن تحصل على الثانوية العامة، الإنجليزية، وأن تحسِّن من لغتها، لتتمكَّن من دخول الجامعة الأمريكية، فتلتحق بمركز تعليم أو تحسين اللغة، وتحصل على الثانوية وتلتحق بالجامعة الأمريكية لعشر سنوات، تحصل خلالها على درجتَى البكالوريوس والماجستير فى الأدب المقارن، وتتخرج وعمرها خمسة وسبعون عامًا، لتبدأ حياة مختلفة بزاد ثقافى فى منتهى الزخم، وأيضًا منتهى الإدراك لقيمة «الحياة».. يكفينى جملتها التى توردها فى سياق متاعب وصعوبات تأسيس جمعية تقاوم السل وسط الفقر المدقع، جملة بعض «المتعجبين» الذين كانوا يرون استحالة أن تحقق جهود مجموعة «بنات الذوات» فاعلية حقيقية.. كانت تقول «إن مياه المحيطات ليست سوى قطرات مطر متجمعة».


لعلنا لم نألف فى قراءة «العربية» وسيرها شجاعة أن يوسد الإنسان نفسه، وحياته، ويصفّ (من الصفّ وليس الوصف) مجرياته دون تدخلات، ولو محدودة، ليساير أعرافًا وتقاليد، ولكن ليلى دوس التى رحت إليها فى البداية أفتش عن جانب فى الحياة، فأهدتنى حياة زاخرة، وربما حيوات.. دورات، تتتالى، محملة بإصرار على «العيش».. ليس العيش الهامشى وأنت تراقب، ولكن «الخوض» فى الحياة، والانتصار للقناعات مهما كلفت، أو حتى لو ثبُت بعد حين خطؤها.. «عشت وشوفت» هما الكلمتان اللتان كانتا عنوانًا للمذكرات.. كلمتان عاميتان عكستا بلاغة تجربة جيّاشة.. كانت تتخلَّق فيها كل بضع سنين، أو ربما عقود، أوجه جديدة للحياة، حتى يخيل إليك أن لحظة الاستسلام لسكينة الرقاد، لما حانت وليلى دوس فى الثامنة والتسعين، إنما لاحت وقطعت خططًا لمخاض من سلسلة لم تتوقف طوال قرن إلا عامَين.. ليلى دوس قد يكون عنوانها الأكبر هو ارتباطها وتأسيسها مع أخريات جمعية تحسين الصحة.. لكن الحقيقة أن المدهش فعلاً هو أنها تقدم للإنسان عمومًا، أو تكشف له، عن القدرة غير المحدودة «لأن يبدأ دومًا».. الإنسانُ بدايات تتجدد بعدد أنفاسه، ومهما انكسر وتألم.


علّنا مع كل ما نقوله عن عشق المصريين للحياة لا نقابل، إلا نادرًا، هؤلاء التواقين لأن «يعيشوا» حيواتهم هم، لا حياة يفرضها مَن حولهم.. مهما كلفهم ذلك من وجع أو إحساس بالغربة.. بلاغة هذه السيرة فى «درجة الصدق» التى لم تقبل أن تحيد عن الصدق، حتى فى تماساتها وشأنها الخاص والحميم.. فى وصفها لصورتها.. لرؤيتها الطفولية، لذاتها «يرانى الكثيرون نبتة برية.. لست فائقة الجمال.. شعرى كان دائمًا قصيرًا أجعد أشعث..» لسذاجة أحكامها فى أحيان كثيرة وحكمها على البشر.. فى أوقات الوهن الإنسانى، لما يأخذك إلى وجع يطول شفاؤه لسنوات قد تصل إلى عقد كامل، لمجرد كونك عشت ما أحسسته.. وكنت ذاتك.. مرتين، ومنحت وأخطأت التقدير.


ليلى دوس ابنة شرعية للحظة «نهوض» أو «استنهاض»، أو إقالة مصر من عثرتها، عقب ثورة ١٩١٩، جاءت وقد مهد الطريق جيل يحاول أن يصوغ مصرًا جديدة، بدستور ١٩٢٣ الذى نص على تعليم البنات، ثم حصول المرأة عام ٢٩ على أنصبة متساوية فى التعليم الجامعى، سؤالها البسيط والتلقائى «إزاى أكون مفيدة.. إزاى أخدم بلدى والشعب الذى أنتمى إليه»، أخذها لأن تصبح واحدة من مؤسسات جمعية (تحسين الصحة) التى ولدت لتكافح مرض السل بين فقراء مصر، وصادف السؤال ولدت «ليلى» فى بيت من بيوتات الصعيد الكبيرة.. بيت توفيق باشا دوس بأسيوط، وهو باشا «عصامى».. ليس باشا ابن باشا.. لكن باشا من مشوار كد. صحيح أنه تولَّى الوزارة مرتَين، وأنه شارك فى وضع دستور ٢٣، وأن دوره فى الثورة يحتاج إلى إفاضة، لكنه ابن طبقة متوسطة، لأب يمتلك بضعة أفدنة ومكتبة، ينفق منها على ستة أبناء، لم يصل منهم إلا ثلاثة إلى التعليم العالى، واحد منهم توفيق الذى سوف يتشارك وإخوته حياة بالكاد، لا يلطف من شظفها إلا ما يدخل إليه نظير قيامه بتعليم اللغة العربية لأساتذة كلية الحقوق الإنجليز، يتخرج عام ١٨٩٣ ويصبح محاميًا فى مكتب خاص، مكتب سنيوت حنا الذى يستغنى عنه، وتلعب مصادفة دورًا فى تحوله إلى العمل المستقل، بدفاعه فى قضية قتل، يخرج منها ليفتح مكتبَين فى أسيوط وقنا، ويصير وهو فى الخامسة والعشرين محاميًا شهيرًا ويتزوج الابنة الكبرى لعمدة أسيوط حبيب شنودة، الشديد الثراء، فى الثلاثين من عمره، وينجبا ستة من الأبناء آخرهم «لى لى» التى سوف تغيِّر اسمها الخواجاتى إلى «ليلى».. فتاة من يومها متمردة.. رغم تربيتها الإنجليزية تذهب إلى الإرسالية الأمريكية، المدرسة الوحيدة للبنات فى أسيوط، ثم داخلية «sacre coeur»، الأشبه بالمعتقل، والتى تكتشف أو يكتشف أبوها من خلال مناهجها غربة وتعمُّد التغريب، والتى سوف تدفعها لنوع من إعمال العقل فى العلاقة بالدين، ثم تذهب إلى الإرسالية الأمريكية فى القاهرة، فكلية البنات (أنشئت عام ٢٦) التى كانوا يطلقون عليها «كلية بنات الذوات»، لتنطلق فى مناخ أرحب يخرج طاقاتها.. من شقة بجاردن سيتى إلى قصر فى الزمالك على الطراز القوطى (اضطرت فى ما بعد إلى بيعها، بعد عشر سنوات من رحيل أبويها، لتصير سكنًا للسفير السعودى) تسميه «بيتًا» وتتأرجح بين الوصفَين، لأنه جمع ما بين الفخم والبسيط (لم يكن أبى متعاليًا ولا محبًّا للبذج)، لم يهتم بالمظاهر وهو ما ورثناه.. كان داخلها دومًا توق للحرية.. واستشعرت أن الزواج سوف يحد من هذا التوق، فكان الرفض المستمر لأى «عريس»، حتى لو كان كامل الأوصاف أو كان ابن الإمبراطور هيلا سيلاسى، وهو ما جرى بالفعل.. عمل توفيق باشا فى جمعية لمساعدة الأحباش بعد غزو موسولينى، ولما استعاد هيلا سلاسى بلاده، طلب يدها لابنه.. ولم تتزوج.

فى حياتها تجربتان عاطفيتان، إحداهما كلفتها عشر سنوات من الألم، هذه الخلفية الخاصة ضرورة لفهم الشخصية التواقة للحياة، وليس للحرية فحسب، القادرة على اتخاذ القرار والاستغناء، ودفع الثمن، والأهم أنها أبدًا لا تنظر إلى الوراء، والتى سوف تنشغل دومًا بفكرة أن تكون مفيدة لمَن حولها، فتجد ضالتها، وإجابة السؤال، بعد تخرجها فى المدرسة (لن تكمل تعليمها الجامعى إلا وهى فى الخامسة والستين)، وفى حفل شاى يضم مُدرسة لها وسيدة نرويجية هى زوجة الدكتور محمود أباظة أستاذ الأمراض الصدرية، الذى كان يشكو من رفض مرضى السل البقاء فى المستشفيات، لأن ذلك حرمان من رزق مَن يعولونهم.. ومن حفل الشاى خرجت ليلى دوس وعايدة علوبة وشريفة لطفى ونعمة برزى، ليتصلن بالدكتور محمود أباظة، يخبرنه «رأينا فى أنفسنا القدرة على مساعدة شعبنا، ونحن على استعداد لبذل كل ما يتطلبه ذلك».. تقول «ذهبنا لرؤية الفقراء ولم نكن نعرف إلا القليل عنهم»، وكان عالمًا لا يعرفنه، لكنهن نجحن عام ١٩٣٦، أى قبل تأسيس وزارة الشؤون الاجتماعية بثلاث سنوات، أى كان عمرها أقل من عشرين عامًا، فى تأسيس أشهر جمعية لعلاج السل فى مصر، وهى تصفها بالملحمة، ملحمة بدأت بشقة فى عابدين، يقمن هن بتنظيفها وشراء المستلزمات، ووصلت إلى «مدينة».. مدينة تحسين الصحة فى الهرم، تضم أمهات وأطفالاً، تحوى حضانة ومدرسة ومأوى ومطابخ ومطاعم ومزارع ومصنع غزل، وكله بالتبرعات والجهود التطوعية.. واستمرت الجمعية فى النمو حتى بعد ما تسميه «انقلاب ٥٢».. مع أنها ترى الثورة قامت لأجل المستضعفين، وكان هناك شهر عسل لم يتجاوز العام بينها وبين يوليو، وزارها محمد نجيب، وامتدت الجهود إلى المحافظات، وكان للجمعية ٣ فروع فى الإسكندرية، وواحد فى أسيوط والمنيا، وفتحت خمسة عشر فرعًا بدعم حكومى، تتذكر أسماء رجال أعمال وأميرات، وتتوقف أكثر من مرة عند الفنانة تحية كاريوكا التى تعدها من أكبر الداعمين.

كانت رافضة لفكرة تأميم العمل الاجتماعى ودخلت فى مناظرة مع حسين الشافعى.. تقول عام ٩٥ قررت أن أترك العمل وقلبى يعتصره الحزن.. قررت نسيان «تحسين الصحة»، لم أكن راضية عن طريقة إدارتها.. أُهمل الأطفال.. لم يعودوا يتلقون ما يكفى من الطعام.. و.. ولم تستطع وعادت.. بل قررت أن تعيش فى نفس دار المسنين التابعة للدار واستأجرت حجرتَين، أحزنها أن الأطفال مهملون، لا يكاد الواحد منهم يقرأ أو يكتب حرفًا، واستعانت بمتطوعين يعلِّمون الأطفال الصياغة والفنون واللغة الإنجليزية والكمبيوتر، وعملت مكتبة، والموسيقى.. كانت تسعى، ليس لمجرد مكان يأوى الصغار، ولكن لموضع للسعادة، لكن ذلك كان يتطلب إدارة مختلفة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات