.

رواية الانتهازية فى الوسط الصحفى

Foto

الرواية على الرغم من أن غلافها يحمل صورة الصحفى الشهيد الحسينى أبو ضيف، فإن صفحاتها مليئة بأفعال مشينة لصحفيين أساؤوا إلى أنفسهم قبل أن يسيؤوا إلى مهنتهم ووطنهم.


يُهدى الروائى خالد إسماعيل روايته «26 أبريل» التى صدرت طبعتها الثانية حديثًا عن دار الأدهم للنشر والتوزيع، إلى «عمّ محمد شهدى وإبراهيم داوود». و26 أبريل هو اليوم الذى وصل فيه الراوى إلى ليبيا.

الرواية على الرغم من أن غلافها يحمل صورة الصحفى الشهيد الحسينى أبو ضيف، فإن صفحاتها مليئة بأفعال مشينة لصحفيين أساؤوا إلى أنفسهم قبل أن يسيؤوا إلى مهنتهم ووطنهم.

إسماعيل الذى لا يبنى عوالمه من خيال، بل ينتقى من الواقع، ولا يسرد الوقائع، بل يسلط عدسته الروائية هنا على حالة الانهيار الأخلاقى والمهنى التى أصابت عددًا ليس قليلًا من الصحفيين الذين يفعلون أى شىء وفى أى مكان، من أجل منصب ما أو حفنة نقود، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى تشويه صورة مصر بسلوكياتهم البذيئة التى يمارسونها خارج البلاد ويُقابلها الآخرون بانتقاد شديد: «المحررون انتهازيون جدا، البنات منهم بالذات، الواحدة محجبة ولابسة بنطلون محزّق وفاكرة نفسها رقاصة، لا قراءة ولا وعى ولا حاجة... العجيب إنهم كانوا بيتعاملوا مع رئيس التحرير وكأنه إله، وهو طبعًا واحد انتهازى كبير من رواد حركة الانتهازية الكبرى التى ظهرت فى الوسط الصحفى المصرى، فى أواخر الثمانينيات من القرن الماضى، عَيّل أصفر.. عنده استعداد يعمل أى حاجة…».


الرواية تُعتبر سجلا حافلًا بالمعاناة التى يصادفها الراوى، الذى يقوم بدوره فارس الصحفى الصعيدى، سواءً مع إخوته، أو فى عمله فى الصحافة فى مصر أو خارجها.. معاناة لا تختلف كثيرًا عن معاناة الصعيدى الذى يهاجر إلى القاهرة، المدينة التى يسرق أهلها الكحل من العين.

إسماعيل يرصد كذلك عُقدة النقص التى يعانى منها البعض وتتسبب فى أن يقوم هؤلاء الذين يعانون منها بإذلال غيرهم متى استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

فى الرواية نجد الصحفى الذى يشغل هنا مركزًا صحفيًّا مرموقًا، ثم إذا سافر إلى الخارج أصبح نموذجًا لمَن يهينون أنفسهم بارتكابهم تصرفات لا ينبغى على إنسان عادى أن يقع فيها، وكذلك يضع إسماعيل أمام أعيننا ما يفعله المصريون بعضهم ببعض وهم خارج الوطن، من تشويه لصورة بعضهم بعضًا، بغرض نيْل موقع مقرَّب من صاحب العمل، حتى وإن أدى ذلك إلى أن يزيح بعضهم بعضًا ليحل محله: «أروح فين؟ أعمل إيه للمصريين.. سيبونى فى حالى يا ناس، رحت قطر وخلونى أسيب الشغل، جيت هنا ليبيا، برضه مش سايْبنّى فى حالى».

إسماعيل يناقش أيضًا فى روايته بعض مشكلات الصعيد والخلافات فيما بين بعض العائلات وبعضها، وكذلك الوضع فى ليبيا، الدولة النفطية التى يعانى بعض أهلها من أزمات مالية وجوع، على الرغم من أن المعونات وقوافل الإغاثة تخرج منها كل يوم، متجهة إلى إحدى الدول الإفريقية، متعرضًا لبعض مقولات الكتاب الأخضر.

إسماعيل ينتقد بشدة ما يفعله بعض الصحفيين الذين يبيعون مبادئهم مقابل أشياء هى فى الآخر تافهة: «رئيس التحرير لا يعرف الأخلاق، بل يعرف المصلحة، وتربيته فى أمن الدولة علمته أنه لابد من الاحتفاظ بملفات وسقطات لكل مَن يعمل معهم أو يعملون تحت قيادته حتى يكسر عينهم وقت اللزوم».

إسماعيل يحكى هذه الأحداث بلسان الراوى العليم الذى شهد الأحداث وعايشها، لا سمع عنها فقط، معبرًا عنها بأسلوب روائى جميل، مازجًا فى سرده فيما بين الفصحى والعامية، مُعلنًا عن ظهور سارد تمكن من فن السرد، وطوّع إياه فى انسيابية ملحوظة، مُضْفيًا عليه سلاسة ترافقها متعة كبيرة، واضعًا بروايته هذه بصمته الخاصة فى فضاء الرواية العربية، حتى وإن أخطأته الجوائز، وإن لم ينقل المترجمون أعماله إلى لغات أخرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات