.

الصراع بين الأزهر والأوقاف على حق الإفتاء.. صراع سياسى لا دينى!

Foto

لماذا وافقت لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب على أحقية وزارة الأوقاف فى الفتوى إلى جانب الأزهر ودار الإفتاء؟


لا يستطيع منصف أن ينكر أن ثمة صراعا يستحر، كل حين، بين الأزهر والأوقاف، قد يخبو حينا بفعل عدة عوامل وتدخل شخصيات تحاول كبح جماح ذلك الصراع، وتضغط للتهدئة بينهما، لكنه، فى الأوقات كلها، كالجمر تحت الرماد!

مساء يوم الثلاثاء الماضى، وتحت قبة مجلس النواب، تجدد على سطح الأحداث السياسية فى مصر الصراع «المسيس» بين مشيخة الأزهر ووزارة الأوقاف، أو بمعنى أدق بين الدولة والمشيخة، بعد أن وافقت لجنة الشؤون الدينية فى المجلس، على قانون تنظيم الفتاوى وإدخال أئمة وأشياخ الأوقاف ضمن المسموح لهم بالفتوى، على الرغم من أن الأزهر يرفض رفضا قاطعا السماح لأولئك الأئمة والأشياخ بممارسة حق الفتوى؛ لأنهم -من وجهة نظره- غير مؤهلين علميا وفقهيا لذلك، ليأتى قرار لجنة الشؤون الدينية بالبرلمان منتصرا للأوقاف، قاضيا بأحقية أشياخها ووعاظها بممارسة حق الإفتاء، خصوصا بعد توسع الوزارة فى لجان الفتوى بالمساجد الكبرى على مستوى الجمهورية تيسيرا على السائلين، وتنظيم طائفة من الدورات التدريبية فى فقه المقاصد وفقه الأسرة وفقه المعاملات وفقه المواريث وفقه الحج، وغير ذلك من الأبواب والقضايا الفقهية الأخرى، خصوصا ما يتعلق منها بالقضايا العصرية المستحدثة، كما أنها جعلت الإلمام بعلم الفقه شرطا رئيسا لتعيين الأئمة الجدد، وترقية القدامى منهم، أو ابتعاثهم إلى الخارج، أو إيفادهم إلى العمل بالمساجد الكبرى، أو العمل بلجان الفتوى التى تتوسع فيها وزارة الأوقاف منذ شهور، حتى قبل أن يوافق البرلمان على السماح لأشياخها بممارسة حق الإفتاء جنبا إلى جنب مع هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء، وكأن مسؤوليها كانوا على ثقة تامة بأنهم سيذوقون من «كعكة» الفتوى فى مصر، ولا سيما بعد أن أرسل وزير الأوقاف إلى لجنة الشؤون الدينية بالبرلمان مستندات ممهورة بخاتم جهاز التنظيم والإدارة بالموافقة على اعتماد الإدارة العامة للفتوى بالوزارة منذ عام 1988!
من السهل جدا أن تجد مسؤولا كبيرا، كالدكتور عباس شومان، هو الثانى فى المشيخة فى الترتيب الهيراركى بعد حضرة مولانا صاحب الفضيلة شيخ الأزهر، يصرح فيؤكد أن لا خلاف بين الأزهر والأوقاف، وأن المؤسستين كالسمن على العسل، وأن الأمر لا يعدو كونه من قبيل «الاختلاف فى وجهات النظر»، وأن «الصحافة» هى التى تشعل الأمر بين الهيئتين الدينيتين فتدعى وجود صراع بينهما، لكن من السهل جدا أن تعرف، بعد تدقيق تاريخى بسيط، أن تصريحات وكيل الأزهر تخالف حقيقة الأمر تماما؛ فبعد أن جاء الدكتور محمد مختار جمعة وزيرا للأوقاف فى شهر يوليو عام 2013، بناء على توصية وترشيح من حضرة مولانا شيخ الأزهر، وبعد أن كان عضوا فى المكتب الفنى بالمشيخة، إذا بحضرة مولانا الإمام يستبعده فى عام 2015 من عضوية مكتبه الفنى، وتعيين الدكتور عباس شومان وكيلا للأزهر، ليكون الدكتور جمعة بذلك رسميا خارج المشيخة، ليرد جمعة بعزل الدكتور شومان من رئاسة مجلس إدارة مسجد الحسين، وإخراجه من لجنة الدراسات الفقهية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف، وبعد بضعة أشهر من ذلك الصراع المكتوم يتغيب حضرة مولانا الإمام عن حضور مؤتمر الأوقاف العالمى، وكذا عن المؤتمر الدولى الرابع والعشرين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، متعللا بمرضه وسفره إلى مسقط رأسه فى «القرنة» بمحافظة الأقصر!
بموجب القانون الجديد، لا يجوز لأى شخص، أو جهة، التصدى للفتوى سوى هيئة كبار العلماء فى الأزهر، ودار الإفتاء، ومجمع البحوث الإسلامية، والإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف، وبنظرة سريعة إلى تلك الهيئات المخولة بالإفتاء يتضح أن الإدارة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف، وحدها، هى التى لا تتمتع باستقلال تام عن الدولة؛ ذلك أن الأزهر وهيئاته بحكم المادة السابعة من الدستور، إنما هو هيئة مستقلة ذاتيا عن الدولة المصرية، حتى إن الدولة لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بهيكلية تلك المؤسسة الدينية العتيقة، خصوصا بعد أن أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى تولى السلطة الرئاسية بعد خلع الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير، قانونا بموجب مرسوم نص على إعادة تأليف هيئة كبار العلماء التى حلت فى ستينيات القرن الماضى، على أن يكون دورها الإشراف على مؤسسة الأزهر، ما يعنى أن الدولة ممثلة فى وزارة الأوقاف باتت حريصة جدا على التمسك بتوجيه «الفتوى» الشرعية بعيدا عن سطوة الأزهر المستقل ذاتيا عنها، فمع تمسك الأزهريين باستقلالهم وعدم السماح لأحد مهما كان بفرض آرائه وتوجهاته عليهم، كان لزاما على الدولة أن لا تترك لهم الانفراد بحق الفتوى، التى توجه فى أحيان كثيرة الرأى العام تجاه قضية معينة، ومما هو معلوم أن تمرير القوانين تحت القبة لا يتم إلا بمباركة السلطة التنفيذية، ما يعنى أن السلطة تروم من خلال ذلك قانون تنظيم الفتوى الجديد تقليص إحدى أهم سلطات الأزهر بصورة قانونية وتشريعية لا تتعارض مع المادتين الثانية والسابعة من الدستور اللتين يتكئ عليهما الأزهر تماما لتأصيل وجوده وسلطته داخل الدولة!
لا نملك إلا أن نؤكد أن الصراع بين الأزهر والأوقاف، أو إن شئت الدقة بين الأزهر والدولة، إنما هو صراع سياسى قح، وليس صراعا دينيا على حق الإفتاء، كما يتوهم البعض؛ فمما لا شك فيه أن وزير الأوقاف يحظى تماما برضا القيادة السياسية، حتى إنه أفلت من ثلاثة تغييرات وزارية سابقة، وجدد له للمرة الرابعة فى التغيير الأخير فى يونيو الماضى، وها هو ذا يكسب جولة جديدة أمام الأزهر، ومعنى هذا أن الدولة تثق فى الدكتور جمعة؛ فوزارة الأوقاف من وجهة نظر القيادة السياسية أنجح من الأزهر فى مقاومة الفكر المتطرف، وتطهير الوزارة من العناصر المنتمية إلى جماعة الإخوان، وتقليص دور السلفيين داخل المساجد فى الحقل الدعوى، وإحكام سيطرتها بشكل كبير على المساجد، كما أنها أكثر مرونة عن الأزهر فى القضايا المصيرية الهامة، خصوصا فى قضية إصلاح الخطاب الدينى وفقا لما كان الرئيس السيسى يضغط من أجل تحقيقه، ما يكشف ويؤكد أن الصراع يتمحور بالأساس حول السياسة، ومحاولة كل فريق انتزاع السلطة والنفوذ والامتيازات الروحية من الآخر، فإذا أدركنا أن الفتوى من أكثر الوسائل لتوجيه الرأى العام عند ملايين المواطنين، مهما تنوعت ثقافاتهم وميولهم، وإذا أدركنا أن عوام المصريين لا يستغنون عن الفتوى، ويرونها حلا مثاليا للمشكلات والقضايا الاجتماعية والنفسية التى تواجههم، حتى إنهم باتوا يستفتون فى كل شىء وأى شىء، إذا أدركنا ذلك كله، فهمنا لماذا يتجدد الصراع بين المؤسستين الدينيتين أو بين الدولة والمشيخة، فالأزهر يسعى إلى حشد كل امتيازاته التى كفلها له الدستور، والدولة ترى أنها السلطة الوحيدة التى يجب أن ينصاع إليها الجميع!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات