.

جناية فتاوى تحريم شركات التأمين على الاقتصاد المصرى

Foto

لماذا يتدخل رجال الدين فى جميع التخصصات ويجرمون التدخل فى تخصصهم؟!


قد يستغرب البعض من الاتجاه النقدى للخطاب الدينى هذه الأيام، فهم لا يدركون ما يمثله الخطاب الدينى من خطر على حياتهم ومجتمعاتهم، وأغلبهم لا يستوعب من الأصل فكرة وجود خطر على حياتهم من الفكر المقدم إليهم من رجال الدين، فنحن مجتمعات يمكن أن تخرج فى مظاهرات ضد السلطة السياسية، ولكن من الصعب أن توجه تلك الشعوب أى اتهام أو احتجاج على رجال الدين الذين يبثون خطابًا دينيًّا رجعيًّا سالبًا حقوقهم وحرياتهم بشكل أكثر غلظة من السلطة السياسية، فالسلطة الدينية تملك سطوة أكبر وأكثر سيطرة على جميع تفاصيل حياتنا مقارنة بمحدودية السلطة السياسية، فالسلطة السياسية فى نهاية المطاف ليست كسلطة الخطاب الدينى التى تضعك داخل سجن من المفاهيم والأفكار التى تعطل حياتك وتحدد نوع وطريقة تناولك الطعام والشراب، وطريقة نومك وارتدائك الملابس ودخولك الحمام وتحية زملائك وأصدقائك، ومَن تحب ومَن تكره ومَن تقاتل ومَن تحارب ومَن تتزوج، وكيف تربى أطفالك، وما الأعمال التى يجب أن تبتعد عنها، وكيف تتصرف فى أموالك، وعلاقتك بالعلوم، وحدود علاقتك بالفن والسينما والموسيقى والنحت والرسم وشتى وسائل الترفيه، بل وشكل دولتك ونظام حكمها السياسى والاقتصادى والقانونى والقضائى، وحتى ماهية دفنك والتعامل مع جثتك بعد الموت.. هذا السجن أكثر خطرًا بالتأكيد من سجن السلطة السياسية التافه مقارنة بسجن هذا الفقه والفهم والتفكير الدينى الرجعى، ومع ذلك لا يريد أحد أن ينتبه إلى هذا الخطر الحقيقى، بل ويستغرب الجميع تقريبًا أية محاولة جادة فى سبيل مواجهة هذا الخطر!

ولعل قضية تحريم التعامل مع شركات التأمين على الحياة هذه واحدة من الأمور التى تكشف لنا عن جزء بسيط من هذا الخطر الذى يمثله الخطاب الدينى على واقعنا الراهن، فشركات التأمين ركن أساسى من أركان الاقتصاد، وهى ضمانة حقيقية لمواجهة أى خطر مستقبلى يمكن أن يواجه الأفراد أو الشركات، فالتأمين ضمان وأمان وحماية للأفراد من خطر المرض والعجز والوفاة والإفلاس وغير ذلك من الأخطار، وهو أيضًا نشاط اقتصادى يسهم بقوة فى زيادة الاستثمارات وتشغيل الأيدى العاملة، وتأتى فتاوى شيوخ التخلف العربى فتمثل خطرًا حقيقيًّا على هذا كله، ولقد شاهدت بعينى أثر هذا الخطر بوضوح شديد عندما عملت فى شركة تأمين من قبل، ورأيت أثر تلك الفتاوى على العملاء وعلى زملائى فى العمل أنفسهم، فكثير من العملاء لا يوقعون وثيقة التأمين إلا بعد سؤال رجال الدين، ولا يوجد أمامهم إلا شيوخ السلفية وشيوخ الأزهر ليحصلوا منهم على تلك الفتاوى، وكانت الفتاوى التى يحصلون عليها من الطرفَين دائمًا تحرم التعامل مع شركات التأمين من الأصل، ولم يكن الأمر خاصًّا بالعملاء فقط، بل كان الموظفون يرتبكون من العمل فى شركات التأمين، ويعانون ضغوطًا اجتماعية ونفسية كثيرة، فمنهم مَن واجهته أسرته وزوجته بأن عمله وراتبه حرام! ومنهم مَن قال لنا بنفسه إن هذا العمل حرام ولكنه مضطر إليه حاليًّا لحين توافر عمل آخر حلال! ومنهم مَن أخذ يقسِّم العمل إلى جزء حلال وآخر حرام! حتى المدرب الذى كان مكلفًا بشرح أنواع وثائق التأمين لنا، وتدريبنا على مراحل بيعها بداية من طريقة الحصول والوصول إلى العملاء والاتصال بهم ومقابلتهم وتقصى الحقائق عنهم وعرض الوثائق عليهم، لإقناعهم بها ومواجهة اعتراضاتهم عليها، أخذ المدرب أكثر من يومَين فى التدريب للحديث عن اعتراضات العملاء وأسباب رفضهم وثائق التأمين، وكانت هناك اعتراضات كثيرة وجيهة ومنطقية بالطبع خاصة بتاريخ شركة التأمين وطبيعة استثماراتها وجدوى وثائق التأمين ومدى الاستفادة الحقيقية منها، ولكن الحظ الأكبر من الاعتراضات غير الوجيهة كان من نصيب الفتاوى الدينية التى تحرم التأمين على الحياة، فالاعتراضات الباقية كانت منطقية وتتناول المسألة بالأخذ والرد بعقل مجرد، بينما الاعتراضات الدينية كانت عجيبة للغاية.
لقد أعطانا مدرب شركة التأمين أرقام فتاوى نقدمها للعملاء الذين يعترضون لتلك الأسباب الدينية، ظنًّا منه أن تقديم تلك الفتاوى التى تبيح التعامل مع شركات التأمين من دار الإفتاء المصرية ومن بعض شيوخ الأزهر قد تحسم الأمر، بينما فى حقيقية الأمر عند أول احتكاك لى مع العملاء اكتشفت أن دار الإفتاء وشيوخ الأزهر لهم تاريخ عجيب من تضارب الفتاوى فى تلك المسألة، فالدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، يقول: «إن حرمة التأمين على الحياة حكم مجمع عليه، واستقرت عليه المجامع الفقهية فى العالم الإسلامى! وهى التى تضم الراسخين فى العلم من متخصصى الأمة فى مجال الاجتهاد، والذين أفتوا بالحل لا فقه عندهم، ورأيهم مجرد مشاغبة من غير متخصصين فى مجال الفقه الإسلامى، ورأيهم فى ذلك يلزمهم ولا يلزم غيرهم»! وهو رأى متشدد ومتطرف لا يصح أن يخرج من أستاذ فقه مقارن بجامعة الأزهر يسفه به آراء كل مَن قال بخلاف رأيه فى مسألة التأمين هذه، فأغلب المخالفين لرأيه من كبار شيوخ الأزهر نفسه، فالشيخ نصر فريد واصل، مفتى الديار المصرية الأسبق، قال بإباحة التأمين على الحياة فى فتوى رقم 1294 لعام 1997م، وقال إن التأمين ضرورة اجتماعية تحتمها الظروف ولا يمكن الاستغناء عنها، والمدهش أن تأتى من بعده بعض المجامع الفقهية فى الأزهر وتحرم الأمر! ثم تأتى مجامع أزهرية أخرى وتبيحه، إلى درجة أن يقول الشيخ علِى جمعة مفتى الجمهورية السابق: «المسألة جديدة ومحيرة وملتبسة واختلف فيها العلماء، ولا ينكر أحد على أخيه إذا وجده يبيع وثائق تأمين على الحياة، فإذا كان يرى أنها حرام، فلا يفعلها، ولكن لا ينهى هذا، وإذا كان الشخص يعمل فيها، فينبغى عليه ألا يسأل! فالشىء المختلف فيه لا نستطيع أن نقول فيه ذلك ولا أن نتحمل تبعة ذلك، فالتأمين على الحياة محل خلاف كبير، وهو من قبيل الظن وليس القطع، وهو ما دام كذلك يجوز القدوم عليه ولا ينكر، ومَن يعمل فى هذه الشركات لا ينكر عليه وماله طيب حلال».
ولعل الدكتور مبروك عطية الوحيد بينهم تقريبًا الذى كان حاسمًا فى إباحة المسألة عندما سألت متصلة، قائلة: «هل التأمين على الحياة حلال أم حرام؟» فرد عليها، قائلًا: «إن شاء الله مافيهوش حرمة أبدًا يا فريال، وأمِّنى، لأن ده تعاون على البر والتقوى، وماأخدناش منك الفلوس بالغصب، أو غيرك ماهواش زعلان إن لو حصل لك حاجة ناخد فلوسه.. الدنيا عاوزة تنظيم، أنتم لما تلغوا التأمين، وتلغوا البنوك، وتلغوا المؤسسات المحترمة العالية جدًّا دى، وتسيبوا الناس لبعضيها، والله لتلاقوا الشوارع بحور من دم»!
بينما شيوخ السلفية فى مصر كانوا أكثر حسمًا فى تحريمه، فالشيخ السلفى محمد حسين يعقوب، يقول: «التأمين حرام، والتأمين على الحياة حرام، وشركة مصر للتأمين وكل شركات التأمين دى كلها حرام، لأنها غرر». والشيخ محمد حسان يقول: «أفتت المجامع الفقهية على أن التأمين الكلى حرام، لأنه عقد مقامرة، ولأن فيه غررًا»، ولقد خالف تلك المجامع البعض مثل الشيخ مصطفى الزرقا: (أما التأمين الإجبارى فلا حرج عليك فيه، لأنك لا تستطيع أن تستخرج رخصة سيارة إلا بوثيقة تأمين، وأيضًا إذا أُكرهت وأُجبرت على تأمين العمال عندك فى مصنعك أو فى مكتبك أو فى وظيفتك، فلا حرج عليك ولا إثم، لقول الله تبارك وتعالى: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ». أما التأمين الكلى باختيارك أنت فأنصحك أن لا تفعل ذلك، وأنصح الأخ الكريم أن يظل فى العمل لأن عمله وماله عمل ومال مختلط، وجمهور العلماء على جواز التعامل به، وهو فى عمله هذا إن يسر الله له عملًا آخر فليخرج إليه».
اللافت للانتباه فى هذا التخبط كله أنه كشف بوضوح عن أكذوبة التخصص التى يستميت رجال الدين فى الحديث عنها كلما أرادوا تحجيم فهم الدين وتفهيمه للناس فيهم وحدهم بحجة الاختصاص التى لا يلتزمون هم أنفسهم بها كلما تعلق الأمر بتخصصات كالسياسة والاقتصاد والعلوم والفنون وشتى المجالات التى يريدون أن يخرس الجميع ولا يستمع إلى أحد سواهم، ولقد فضح هذا التضارب والتخبط فى الفتاوى الخارجة من شيوخ الأزهر ودار الإفتاء المصرية فكرة وجود تشريعات كاملة وجاهزة وثابتة وقاطعة ومؤكدة لديهم فى كل شىء كما يزعمون دائمًا، ولعل هذا كله يكشف لنا عن خطورة هذا الخطاب الدينى الذى يريد أن يمنع حركة وتطور المجتمعات البشرية بتلك التشريعات القديمة التى تدمر واقعنا الاقتصادى والاجتماعى دون أن ينتبه أو يلتفت إليها أحد، وإن حاولنا الإشارة فقط إلى هذا الخطر رُفعت فى وجوهنا أصابع الاتهام والتخوين والتكفير والإرهاب.. فانتبهوا يرحمكم الله.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات