الخبز فى مصر الحديثة

Foto

يناقش الكتاب صناعة الخبز فى مصر الحديثة -والحديثة هنا التى يقصدها الباحث هى مصر العثمانية


ربما كانت مصر هى الدولة الأولى فى العالم التى أولت اهتمامًا كبيرًا للخبز وقدَّسته، حيث نسبت فى ميثولوجياتها القديمة اكتشاف القمح للمعبودة الرئيسية لدى المصريين، «إيزيس»، وجدلت جدائلها بعيدان القمح، ومن ثمَّ عُدَّ الخبز مقدسًا وطعام الآلهة/ القربان والبشر على السوء، حتى إنه على المتوفى أن يزود مقبرته بالكثير من الخبز وحبوب الحنطة، لأنه سوف يحتاج إليهما فى رحلته الأخروية الأبدية، وبهذا التقديس للخبز الممتد حتى اليوم لدى المصريين، فلن تجد مَن يتجاسر على وطء الخبز بقدمه وإلا عُدَّ جاحدًا بالنعمة وكافرًا بها. وقد تفنن المصرى فى أشكال الخبز الذى صنعه على مَرّ عصور تاريخه، وستجده مرتبطًا بما يعتقده، فالرغيف الشمسى، الموجود حتى يومنا هذا، هو قرص الشمس «رع»، والرغيف المقرن يحاكى الصليب فى مصر القديمة ولا تزال البيوت القبطية تنتجه الآن.


يناقش الكتاب صناعة الخبز فى مصر الحديثة -والحديثة هنا التى يقصدها الباحث هى مصر العثمانية- بتمهيد بسيط حول مكانة الخبز عند المصريين القدماء والمحدثين، ثم يستعرض عبر المصادر التاريخية فى الشواهد والحوليِّات والروزنامة وسجلات المحاكم وكتابة المؤرخين تلك الفترة كابن إياس وعبد الرحمن الجبرتى، بسرد سلس وبسيط، كأنما هو يدعو المتعمق ومن يُرِد الاستزادة فعليه بالبحث والتقصى.


فى الفصل الأول يتعرض لزراعة الحبوب: القمح والذرة والشعير، لكنه سيقتصر بحثه على القمح، لأنه المادة الأساسية للخبز، والمحرك القوى للاقتصاد المصرى القائم على الزراعة فى ذلك الوقت، وكيف تعاملت الحكومات المركزية مع الأراضى وتقسيمها، وطرق الرى وفرض الرقابة الصارمة من قبل عمالها، المحتسب وولاة الأقاليم، فى متابعة الزراعة والحصاد وتشوين الغلال وبعد ذلك صناعة الخبز ومراقبة الصناع والأسواق.


فى الفصل الثانى يتعرض لصناعة الخبز فى حالة الرخاء الاقتصادى، وكيف تفنن المصريون فى إنتاج الخبز والحلويات وغيرها، ووصف مظاهر الكرم، وفى الفصل الثالث يتعرض فيه الباحث للأزمنة التى شحَّ فيها الفيضان وانقطع فشاعت المجاعات والأوبئة والأمراض خاصة الطاعون، فهاج العامة وقاموا بهَبَّات وثورات عنيفة قاموا فيها بنهب مخازن الغلال والحوانيت، وغيرها من الأعمال، وهو ما جعل السلطة المركزية فى الأستانة، تركيا، تسارع بمنع تصدير القمح وخروجه من مصر، وفرض رقابة صارمة فى مراقبة السواق والأسعار، حتى تخفف من وقع المجاعة والثورة العارمة التى ممكن أن تنشب فتقلعها من جذورها، وأخيرًا خاتمة يستعرض فيها الباحث كتابه وما خلص له من نتائج.


نهر النيل هو عصب الزراعة، وبالتالى صناعة الخبز فى مصر التى كانت تتولى إمداد الأستانة والحجاز وبعض بلاد الشام بالقمح والغلال الأخرى، وكانت الأزمات تنشب حين يتأخر الفيضان أو يقل منسوبه، لكننا وبعد ضبط النيل ومياهه عبر السد العالى فى العصر الحديث لا تزال أزمة الغذاء فى مصر قائمة، وكأننا لا نقرأ تاريخنا كى نستفيد منه، الكتاب مكتوب بلغة بسيطة ومتخلص من الهوامش والحواشى، وإن كانت مهمة للراغب فى التوسع، لكن تبقى أهميته  متعته فى أنه يلقى الضوء على واحد من الموضوعات المهمة فى كل عصر وزمان، وبخاصة فى عصرنا الحديث والآنى، ألا وهو موضوع الغذاء وصناعته، صناعة الخبز.



الكتاب: «حكاية الخبز فى مصر الحديثة».
تأليف: جمال كمال محمود
الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة-2014 م

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات