بركة الله والحروب والكراهية والدماء

Foto

لماذا اشتهرت القدس باسم «مدينة السلام» رغم كل ما خاضته من حروب؟ ومن أين أتت علاقتها المتعثرة دائمًا بالسلام؟ كيف مُنع مؤذنو المدينة من النداء للصلاة فى الليلة الوحيدة التى قضاها الإمبراطور «فريدريك» فيها؟


«حين هوت مدينة القدس تراجع الحب، وفى قلوب الدنيا استوطنت الحرب».

هكذا قالت كلمات أغنية «زهرة المدائن» الشهيرة للسيدة «فيروز». والمحب للأغنية ولصوت «فيروز» الملائكى لن يقطع متعته بهما ليسأل عن المرات الكثيرة التى هوت فيها مدينة القدس عبر تاريخها الممتد لآلاف السنين، فطبقا لبعض الإحصاءات التاريخية تعرضت القدس للتدمير مرتين، وللحصار 23 مرة، وللهجوم 52 مرة، وتم غزوها وفقدانها من يد أهلها 44 مرة، فهل قصدت كلمات الأغنية الشعرية كل هذه المرات أو إحداها أو الأخيرة منها بالذات؟! وليست هنا المسألة بالطبع، لكن التعقيد المدهش هو أن المدينة التى اقترنت بكل هذا الغزوات والفتوح ووقائع الحصار والحروب والتدمير والتخريب، وصولا إلى النزاع العربى الإسرائيلى حولها حديثا، اشتهرت منذ وقت قديم باسم «مدينة السلام»! وقد تزول الدهشة إذا سلّمنا برأى للمؤرخين يؤكد أن «مدينة السلام» هو اسم قديم للمدينة وليس شهرة لها، وحسب هذا الرأى فإن أول اسم ثابت تاريخيا للمدينة المقدسة ظهر فى رسائل تل العمارنة المصرية، وكان «أور سالم» أو «أور شالم»، أى قاعدة سالم أو شالم، وهو اسم إله الكنعانيين، وهم قبائل قديمة يرجح انتماؤها للجنس السامى سكنت المنطقة، وقد اعتبروا إلههم حاميا للمدينة، وفى ما بعد اندثر المعنى الأصلى للاسم، وهو ما يختلف عن تفسير التوراة التى قالت إن المدينة تأسست على يد «سام بن نوح» وأطلقت عليها مسمى «يبوس»، لأن من جدد بناءها كان ملكا يبوسيا «أحد بطون كنعان» اشتهر بلقب «ملك السلام»، ومن هنا يأتى فى اعتقاد التوراة اسم «أور سالم».
علاقة «مدينة السلام» المتعثرة بالسلام لا تستمد أدلتها من الحاضر الذى مثلت فيه المدينة إحدى العقبات الكبرى -إن لم تكن أكبرها- التى قوضت كل أمل فى اتفاقية سلام عربية- إسرائيلية يجرى التفاوض عليها منذ عقود. لكن علاقة مدينة «القدس» المتعثرة بالسلام كانت فى ما يبدو على ما هى عليه فى فترات كثيرة من تاريخها القديم، فالاستعمار الطويل لمدينة الكنعانيين القدامى والذى استمر لأكثر من 12 قرنا وبدأه المصريون بمعركة «مجدو»، ثم واصله الحيثيون والأشوريون واليهود والبابليون والفرس والرومان والعرب، هو تاريخ لا يسمح بالحديث عن علاقة آمنة بالسلام. ولم تكن اتفاقية السلام العربية الإسرائيلية المتعثرة اتفاقية السلام الأولى التى تحطمت على صخرة القدس، بقدر ما كان السلام نفسه ليس هما ولا هاجسا ولا مطلبا لكل هؤلاء الذين تصارعت قواهم وإرادتهم حول هذا المجاز الجغرافى المهم الذى يربط بين قارتين ويصل -كما يفصل- بين العوالم وبعضها.
فى كتابه «السلوك فى معرفة دول الملوك» يحدثنا المؤرخ المصرى «تقى الدين المقريزى» عن اتفاقية سلام قديمة حول القدس، أبرمت بين خامس سلاطين الدولة الأيوبية وهو السلطان الكامل الأيوبى «576 - 635هـ» الذى تميز عهده بالصراع بين أمراء الأسرة الأيوبية على السلطة، والإمبراطور فريدريك الثانى «1194- 1250م» الذى تميز عهده كذلك بالصراع مع البابوية فى روما، واشتهر كلا الملكين -مع ذلك- بالانبهار بالعلم والانجذاب للعلماء، إذ يذكر المقريزى أن الإمبراطور بعد أن أقر اتفاق الهدنة «اتفاقية السلام» واتجه إلى عكا: «بعث إلى الملك الكامل بعدة مسائل مشكلة فى الهندسة الحكمية والرياضة، فعرضها على الشيخ علم الدين قيصر الحنفى، المعروف بتعاسيف، وغيره، فكتب جوابها»!
اتفاقية السلام بين «الكامل» و«فريدريك» نصت -كما يقول «المقريزى»- على أن تكون القدس لملك الإفرنج الذى قاد الحملة الصليبية السادسة ليستمد مجدا وقوة لحكمه الدينى فى مواجهة بابا روما، على أن لا يحصنها ولا يبنى أسوارها ودفاعاتها، وعلى أن يكون: «سائر قرى القدس للمسلمين، لا حكم فيها للفرنج، وأن الحرم بما حواه من الصخرة والمسجد الأقصى يكون بأيدى المسلمين، لا يدخله الفرنج إلا للزيارة فقط، ويتولاه قوّام من المسلمين، ويقيمون فيه شعار الإسلام من الأذان والصلاة». وطبقا للمقريزى احترم «فريدريك» بنود المعاهدة احتراما شديدا، وعندما أرسل يستأذن من «الكامل» فى دخول القدس: «أجابه الكامل إلى ما طلبه، وسيّر له القاضى شمس الدين قاضى نابلس فى خدمته، فسار معه إلى المسجد بالقدس، وطاف معه ما فيه من المزارات، وأعجب الإمبراطور بالمسجد الأقصى وبقبة الصخرة، وصعد درج المنبر، فرأى قسيسا بيده الإنجيل، وقد قصد دخول المسجد الأقصى، فزجره وأنكر مجيئه، وأقسم لئن عاد أحد من الفرنج يدخل هنا بغير إذن ليأخذن ما فيه عيناه، فإنما نحن هنا مماليك السلطان الكامل وعبيده، وقد تصدق علينا وعليكم بهذه الكنايس على سبيل الإنعام منه فلا يتعدى أحد منكم طوره».
بالطبع انصرف القس وهو يرعد خوفا بعد كلمات التهديد القوية من الإمبراطور المقدس، لكن الأدلة على نوايا السلام الحقيقية لدى كل من الملكين المسلم والمسيحى تعدت ذلك بكثير، إذ يقول كتاب السلوك إن «شمس الدين» قاضى نابلس أمر المؤذنين أن لا يؤذنوا خلال الليلة التى بات فيها الإمبراطور فى القدس، ولما أصبح الصباح: «قال الملك للقاضى: لِم لم يؤذن المؤذنون على المنابر؟ فقال له القاضى: منعهم المملوك إعظاما للملك واحتراما له. فقال له الإمبراطور: أخطأت فى ما فعلت، والله إنه كان أكبر غرضى فى المبيت بالقدس أن أسمع أذان المسلمين وتسبيحهم فى الليل». لكن الأمور لم تكن بالطبع على هذا القدر من السلاسة -فلنقل- كما هى عليه بين السلطان والإمبراطور، إذ يقول «المقريزى» إنه عندما نودى بتسليم المدينة للفرنج: «اشتد البكاء وعظم الصراخ والعويل، وحضر الأئمة والمؤذنون من القدس إلى مخيم السطان الكامل، وأذنوا على بابه فى غير وقت الأذان، فعز عليه ذلك وزجرهم»، ويقول إن الإنكار اشتد على السلطان، وكثرت عليه الشناعات فى سائر الأقطار، وبالذات عند ابن اخيه «الناصر الأيوبى» ملك دمشق، وكان ما بينهما من صراع أسرى على السلطة ومد النفوذ يغرى الناصر بتجنيد قوى الدعاية السلفية ضد عمه «الكامل»، يقول المقريزى: «وجلس الحافظ شمس الدين سبط ابن الجوزى بجامع دمشق وذكر فضائل بيت المقدس، وحزّن الناس على استيلاء الفرنج عليه، وبشّع القول فى هذا الفعل، فاجتمع فى هذا المجلس ما لا يحصى عدده من الناس، وعلت أصواتهم بالصراخ، واشتد بكاؤهم، وأنشد الحافظ شمس الدين قصيدة، أبياتها ثلاثمئة بيت، منها: على قبة المعراج والصخرة التى تفاخر ما فى الأرض من صخرات، مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحى مقفر العرصات»! وهى نفس الأحداث التى تطابقت بنفس العنف على الجانب المسيحى، إذ يذكر المؤرخ الحلبى «بدر الدين العينى» فى كتابه «عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان» فى أخبار سنة 644هـ: «أن البابا غضب على الأنبرور (الإمبراطور) فريدريك، وعامل خواصه الملازمين له على قتله وكانوا ثلاثة، وقال: قد خرج الأنبرور عن دين النصرانية ومال إلى المسلمين فاقتلوه وخذوا بلاده لكم»!
لم يكن الدافع العسكرى الذى يختصره «المقريزى» بلفظه فى تورط «الكامل» مع ملك الإفرنج، وحسابه لقوته، وعجزه عن مقاومته، وخوفه من غائلته، الدافع الوحيد الذى حدا به لعقد هدنة «اتفاقية» سلام، فالواقع أن الدافع الأقوى فى ما يبدو كان خوف السلطان من عائلته، ورغبته فى التفرغ لحسم الصراع الطاحن الذى لم يهدأ على السلطة بين أمراء آل أيوب فى مصر والشام، وهو نزاع مزمن دخل فى ميراث السلاطين الأيوبيين من نزاع دول الخلافة العباسية والفاطمية والأموية والعلوية السابقة عليهم، ثم ورثه الأمراء المماليك الذين حكموا بعد الأيوبيين بنفس التطاحن والضراوة. نفس الدافع السياسى الذى حدا بالإمبراطور «فريدريك» لإبرام اتفاقية السلام حول القدس، فقد كان صراع الاستبداد المقدس والحكم الوراثى المطلق هو ما هيمن على أجواء العلاقات بين أباطرة وملوك وباباوات أوروبا فى قرونها الوسطى.
ولعلك لاحظت التشابه القوى بين مصير وملابسات ومسارات اتفاقيات الهدنة والسلام حول القدس قديما وحديثا، ولاحظت أيضا التشابه بين أوضاع ومصائر القوى المتحاربة فى ما بينها حول المدينة المقدسة، من جهة كونها سلطات أسست شرعيتها على ادعاء حماية الدين ومقدساته، ومارست تحت هذا الغطاء أعتى وأشرس وأضيق صراعات الهيمنة والمصالح، ومن جهة كونها مجتمعات اختلط فى عقيدتها ما هو دينى بما هو سياسى فتقاذفتها ادعاءات وطموحات المتصارعين فى حلبة السلطة والمستبدين بمقدراتها ذات اليمين وذات الشمال. وعلى كل حال، كان هذا التاريخ من النزاع المستمر والسلام المستحيل حول مدينة السلام وراء ترجيح البعض لرأى من ذهبوا فى تفسير قوله تعالى: «سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله»- الإسراء: 1، إلى أن المقصود بالمسجد الأقصى ربما يكون أماكن أخرى غير مسجد قبة الصخرة ومدينة القدس، إذ كيف تقود بركة الله لبقعة مقدسة إلى الحرب والكراهية والدماء؟! وإن كان ذلك لا يعد مستحيلا فى عرف التعقيد البشرى، وفى تقلبات التاريخ الدامى لمدينة السلام.

هوامش:

رسائل تل العمارنة المصرية
تسمى أيضا أرشيف العمارنة، وهى مجموعة كبيرة من الرُّقُم والألواح الطينية ذات الخط المسمارى وجدت فى أرشيف الملك إخناتون فى مقر حكمه بتل العمارنة، عبارة عن مراسلات دبلوماسية موجهة من عدة ملوك للملك المصرى.

السلام المستحيل
عنوان مشترك لكتابين أحدهما لمؤلف أمريكى هو «مارك ليفين» يضع فيه يديه على أسباب فشل عملية السلام، مثل عدم وجود ضمانات حول القضايا المهمة مثل: المستوطنات والقدس وحق تقرير المصير للشعب الفلسطينى، والآخر لمؤلف مصرى هو «محمد حسنين هيكل» وعنوانه كاملا: «السلام المستحيل والديمقراطية الغائبة».

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات