محامى الشعب.. هل القرارات التى سبق أن اتخذها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مخالفة للقانون؟

Foto

هل اختصاص المجلس الأعلى هو ضمان وحماية حرية الصحافة وحق المواطن فى التمتع بإعلام وصحافة حرة نزيهة فقط؟


أكد قرار النائب العام الأخير الخاص بإلغاء قرار حظر النشر المتعلق بإحدى المؤسسات الطبية المصرية العالمية، الذى سبق أن أصدره المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والذى تناولته بعض وسائل الإعلام- أن مصر دولة مؤسسات بالفعل وليس قولًا فقط، إذ أثبت أن كل مؤسسة تقوم بأداء الدور المنوط بها وفقًا للقانون ودستور البلاد. النائب العام طالب فى قراره أيضًا رئيس (مجلس تنظيم الإعلام) بإعداد إجابات واضحة بشأن قراره الذى صدر عن مجلسه ليقدمها إلى نيابة أمن الدولة العليا، التى سيمثل أمامها والتى ستباشر التحقيقات فى هذا الصدد (المحظور نشرها طبقًا للقرار الصادر عن مكتبه)، والذى أوضح فيه أن قرار رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ينطوى على تدخل فى الشأن العام بما يمثل تعَدّيًا على اختصاصات السلطات القضائية والتنفيذية المنوط بها وحدها (دون غيرها) حماية الشأن العام للدولة، وأجاب عن تساؤلات عديدة تم طرحها فى الشارع المصرى خلال الآونة الأخيرة منذ صدر قرار حظر النشر، فكثير من المهتمين بالشأن العام كانوا يريدون أن يعرفوا أين تذهب أموال التبرعات التى يستقطعها المواطن المصرى من حُر ماله، وما أوجه صرفها، وأعتقد أن هذا حق لكل متبرع، ليس فى هذه المؤسسة الطبية فقط وإنما فى جميع المؤسسات القائمة على العمل الخيرى المعتمدة فى نشاطها على التبرعات التى ترِد إليها، خصوصًا بعد حملة الإعلانات الضخمة التى شهدها القاصى والدانى فى شهر رمضان الماضى (مؤكد أنها تكلفت شوية وشويات)، وهذا ما جعل البعض يكتب فى هذا الأمر، رغم أن الجميع يعلم أن كل المؤسسات الأهلية تخضع لرقابة مباشرة من وزارة التضامن الاجتماعى، ولكننا لم نسمع لها صوتًا إلا بعد ما نُشر فى وسائل الإعلام، إذ شكلت لجنة إدارية للتعرف على أسباب تناول البعض هذه القضية وما أعقبها من قرار حظر النشر الصادر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهو القرار الذى جعل النائب العام يتدخل لتصحيح وضع (غير قانونى) صدرَ بالمخالفة من جهة غير مختصة وفقًا للقانون والدستور (طبقًا لما يراه)، مُوضحًا ومُعرِّفًا الجميع دور النائب العام واختصاصاته، وهو -لمَن لا يعلم- يُعد رأس الهرم فى جهاز النيابة العامة، وهى شعبة من شعَب القضاء، ووظيفة النائب العام غالبًا ما يشغلها رجل بدرجة وزير، وهو عضو المجلس الأعلى للقضاء ومحل وظيفته هو دار القضاء العالى، وتكون مسؤوليته الوظيفية أمام رئيس الدولة مباشرةً ولا يتبع وزارة العدل، إذ يُعيَّن بقرار من رئيس الجمهورية، ولا يحق لأى شخص عَزله أو إقالته من منصبه، ويختص النائب العام بالدفاع عن مصالح المجتمع، وأى جريمة تقع على أرض مصر أو خارجها ويكون أحد أطرافها مصريًّا، ويحق له تحريك الدعوى الجنائية فيها، وهو أحد أهم المناصب فى النظام القضائى، إذ حدد الدستور المصرى وجود نائب عام واحد فقط، وهو ينوب عن المجتمع لحمايته من الجرائم، ولا يجوز مراجعة أى قرار للنائب العام أو التشكيك فيه حتى داخل مجلس النواب، ولا يجوز لأى عضو بالمجلس التعليق على قراراته؛ لأنها تحمل قدسية الأحكام القضائية. لهذا يطلق على مَن يشغل منصب النائب العام لقب «محامى الشعب»، وطبقًا لسلطاته فمن حقه، وبصفته وحده الوكيل عن الهيئة الاجتماعية مباشرةً، تحريك الدعاوى القضائية ومتابعة سيرها حتى يصدر فيها حكم نهائى، وولايته فى ذلك تشتمل على سلطتَى التحقيق والاتهام فى كل ما يقع داخل مصر من جرائم أيًّا كانت، وبهذا الوصف وباعتباره الوكيل عن الجماعة فمن حقه أيضًا إصدار قرارات المَنع من السفر وترقب الوصول، وكذلك منع النشر وكل ما يخص أى دعوى قضائية أو أى اتهام، إذا ارتأى أن ذلك يؤثر فى مجرى سير التحقيق أو البلاغ؛ ولهذا جاء القرار الأخير فى البيان الصادر عنه فى رسالة موجهة لرئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام معتبرًا أن القرار الصادر من المجلس صدر منعدمًا ولا أثر له،  والمؤسسات الصحفية أو الإعلامية وشأنها فى الاعتداد به أو الالتفات إليه، لإخلاله باختصاصات النيابة العامة، التى حرص المُشرّع عليها، مؤكدًا وجوب التنبيه إلى ضرورة مراعاتها، وخاطبَ النائب العام «مكرم محمد أحمد» بأن القانون أناط بالمجلس الأعلى للإعلام ضمان وحماية حرية الصحافة وحق المواطن فى التمتع بإعلام وصحافة حرة نزيهة فى إطار من المهَنية، يترتب على مخالفتها والانحراف عنها استنهاض اختصاص المجلس، أما غير ذلك فلا اختصاص للمجلس به. ومن ناحيته أرسل الكاتب الصحفى مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، خطابًا للنائب العام، جاء فيه تأكيده أنه «سيمثُل للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة احترامًا للدولة ومؤسساتها، مع العلم أن المجلس الأعلى سبق أن اتخذ قرارات منعَ فيها ظهور الأشخاص ومنع النشر أو البث فى حالات رأى المجلس أنها مخالفة لأحكام قانونه، وباعتبارى رئيسًا للمجلس الأعلى للإعلام أؤكد لكم أن المجلس مارسَ اختصاصه وفقًا لقانونه الذى يعطيه صلاحية اتخاذ الإجراءات التى اتخذها، خصوصًا فى ظل القلق الذى يعترِى المجلس ومخاوفه من أن استمرار حملة الانتقاد لمستشفى 57357 دون قرار حاسم بالإدانة أو البراءة، ربما يؤدى إلى أن يشحّ نهر الخير أو يقل تدفقه ويضعف بدعوى أن أغلب عائداته تذهب للمنحرفين، ومع اعتقادنا أن قرار المجلس قرار صحيح وقد سبق أن اتخذ المجلس قرارات عديدة سابقة بوقف النشر والبث فى إطار فهمه لقانونه».

خطاب رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يضعنا مرة أخرى أمام إشكالية أخرى، هى: هل القرارات التى سبق أن اتخذها مجلسه مخالِفة للقانون أم لا؟ وهل عدم الاعتراض عليها يؤكد قانونيتها ويحصّنها أم لا؟ وإذا كان الأمر كذلك فنحن أمام ازدواجية فى الاختصاصات والمهام، ومطلوب من جهة قانونية تحديد الاختصاص، فمَن الجهة المنوط بها تنفيذ القانون فى هذا الشأن بالتحديد؟ وهل هى مجلس الدولة، الذى يرى مجلس تنظيم الإعلام أنه المنوط به تفسير هذا الازدواج الذى أصبح له وجود على أرض الواقع، أم جهة أخرى؟ حتى لا نتعرض مستقبلًا لمثل هذه المشكلات التى نتمنى أن تختفى من حياتنا إلى الأبد.
ملحوظة: هذا المقال تمت كتابته قبل مثول رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أمام نيابة أمن الدولة العليا للإدلاء بأقواله، ومعرفة أسباب قرار حظر النشر ومبرراته التى جعلته يصدره، لذا لزم التنويه.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات