تحرَّكوا.. أنقذوا البقية من الانتحار تحت عجلات المترو

Foto

لماذا تلقى فتاة عشرينية بنفسها أمام مترو الأنفاق؟ متى تدرك الدولة خطورة شبح الانتحار؟ متى تطبق مصر قواعد الصحة النفسية السليمة؟


7 ثوانٍ.. كانت هذه هى مدة تنفيذ قرار انتحار صاحبة الـ20 عامًا تحت عجلات مترو الأنفاق بمحطة مترو مارجرجس، تلك المُدة القصيرة جدًّا خلفها أعوام من التفكير واليأس والإحباط الذى دفع صاحبته إلى الانتحار.

فيديو قصير التقطته كاميرا محطة المترو يوثق انتحار «أميرة»، التى لم يكن لها نصيب من اسمها، فللأسف لم تعامَل كما الأميرات، بل قررت أن تهرب من الواقع وأعبائه وألقت بنفسها وأحلامها تحت عجلات قطار المترو.
أسئلة كثيرة فجّرها انتحار أميرة.. كيف لفتاة فى عمر الزهور أن تتخذ هذا القرار؟ لماذا لم تختر وسيلة أخرى للانتحار أقل وطأة فربما كان أنقذها أحد؟ وهل وراء هذا الانتحار أزمات نفسية أم ديون مادية؟ وهل هى أول مرة تحاول أن تنتحر فيها؟
كثيرة هى الأسئلة التى يجب تحليلها والرد عليها، من أجل إنقاذ مَن هم على شاكلة أميرة، ولكن تبقى الحقيقة الوحيدة الواقعة المتبقية أن أميرة ماتت.. رحلت تاركة خلفها دعاء لأهلها بأن يسامحهم الله، وذلك وفقًا لشهادات جيرانها الذين أكدوا أن خلافها مع أشقائها كان سببًا فى الانتحار.
«جرجس».. صاحب الـ19 عامًا، هو أيضًا قرر الانتحار من أعلى برج القاهرة يوم 12 من الشهر الماضى، هربًا من توبيخ والده له بسبب أدائه فى امتحانات الثانوية العامة.
جرجس تخيَّر وسيلة انتحار قاسية وكأنه يريد أن يرسل رسالة غضب إلى والده والمجتمع وأجهزة الدولة وكل مَن شارك فى ترسيخ فكرة أن «الثانوية العامة هى النهاية.. وأن المجموع هو المصير»، فرحل وترك لهم الثانوية والامتحانات وكل المظاهر الخدّاعة.
«أميرة» و«جرجس» وغيرهما.. لم يعشقوا الموت ولكنهم لم يستطيعوا تحمل مزيد من العذاب بشتى أنواعه، فجميعهم شعروا براحة بين أحضان الموت فشلوا فى إيجادها وهم على قيد الحياة.
مؤخرا ارتبطت حوادث الانتحار بلعبة «الحوت الأزرق»، خصوصًا إذا كان المنتحرون من الأطفال والمراهقين، ولكنها ليست السبب الوحيد فى الانتحار، فربما الأعباء النفسية والمعيشية والظروف الحياتية كفيلة بدفع الكثيرين إلى الانتحار الآن.
للأسف الانتحار أصبح أكثر سهولة من الحياة الآن لدى البعض، فالأعباء المادية أصبحت هى المشنقة الحقيقية التى تحاصر صاحبها وتقتله بالبطىء، ويبقى السؤال: ما الذى يدفع المواطن للتضحية بالغريزة الأقوى وهى البقاء على قيد الحياة؟
خلال رحلة بحثى، فشلت فى الحصول على إحصائية دقيقة عن حالات الانتحار فى مصر، ولكنى تأكدت من كثرة تلك الحالات فى العامين الماضيين، فمحرك البحث «جوجل» يمتلئ بأخبار بعناوين: «عامل يشنق نفسه بسبب الديون» أو «رب أسرة ينهى حياته بسبب الأعباء المادية» أو «سائق يشنق نفسه ويوصى المحيطين بتسديد ديونه» أو «شاب يشعل فى نفسه النيران بسبب عدم إيجاد وظيفة».
والأكثر أسفًا، أن المنتحرين غالبًا تتراوح أعمارهم من 30 عامًا إلى 45 عامًا، تلك الفترة العُمرية التى من المفترض أن يكون الشخص فيها مُنتجًا متحاملًا على نفسه، متطلعًا لغد أفضل يليق بحلمه وحلم أسرته.
أعلم تمام العِلم أن مصر ليست الدولة الوحيدة التى تعانى ارتفاع نسب الانتحار، ولكنها الدولة الوحيدة التى تغض البصر عن تلك الحوادث، ولا تتخذ أية خطوة فى سبيل مكافحة هذا التهديد.
فى اليوم العالمى لمكافحة الانتحار الموافق 10 سبتمبر من العام الماضي، أصدرت منظمة الصحة العالمية بيانًا يفيد أن أكثر من 800 ألف شخص يلقون حتفهم سنويًّا كل عام بسبب الانتحار، مشيرة إلى أن أكثر من 78% من حالات الانتحار تحدث فى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، ويُعد الانتحار ثانى أكبر أسباب الوفاة لمن تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، مؤكدة أن الانتحار مشكلة خطيرة للصحة العمومية يُمكن تلافيها بإعداد استراتيجيات شاملة متعددة القطاعات، للوقاية من الانتحار.
وأوضحت المنظمة فى صحيفة الوقائع المنشورة على موقعها الإلكترونى أن هناك ثمة علاقة بين الانتحار والاضطرابات النفسية، خصوصًا الاكتئاب والاضطرابات الناجمة عن تعاطى الكحول، إلا أنها عادت وأكدت أن هناك حالات تحدث «فجأة» نتيجة انهيار القدرة على التعامل مع ضغوط الحياة، مثل المشكلات المالية وانهيار العلاقات العاطفية والأسرية، وغيرهما من الآلام والأمراض المزمنة.
وبالطبع تنتشر فى مصر حالات انتحار جرّاء الاستسلام لضغوط الحياة، فضلًا عن الأمراض النفسية التى تلتهم صاحبها دون أن يعلم مدى خطورتها، وذلك ما أثبتته دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية، أوضحت خلالها أن مصر تحتل المركز 96 على مستوى العالم من حيث عدد الأفراد المقبلين على الانتحار، وكان ذلك فى عام 1987، ثم جاء عام 2007 ليشهد 3708 حالات انتحار متنوعة من الذكور والإناث، وقد سجل المركز القومى للسموم التابع لجامعة القاهرة وقوع 2355 حالة انتحار بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و23 عامًا، طبقا للإحصائيات الرسمية.
ولكن الشىء الذى يستحق الدراسة والتأمل هو أنه منذ يناير 2011 حتى عام 2014، شهد عالم الانتحار فى مصر نقلة نوعية من حيث الأدوات المستخدمة فى الانتحار والزمان والمكان، أو كما أطلق عليه البعض «الانتحار الاستعراضى».
قبل اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير كان مبنى مجلس الشعب القائم بشارع قصر العينى شاهدًا على محاولات انتحار عدة من أناس تتفاوت أعمارهم من الشباب وحتى الشيخوخة، فنجد صاحب مطعم يدعى «عبده.ع.ح»، يبلغ من العمر 40 عامًا، أشعل النيران فى جسده يوم 17 يناير 2011 أمام مجلس الشعب بسبب ضائقة مالية، وعلى نفس المنوال أقدم آخر يدعى «سعيد.ع»، سائق تاكسى، على التخلص من ديونه باستخدام البنزين والولاعة، لإحراق نفسه أمام مقر المجلس، بعد أن أجرى اتصالات هاتفية بكل القنوات الفضائية، لتكون شاهدة على انتحاره يوم 21 يناير 2011، وفى الإسكندرية قرر جزار شاب يدعى «خضير.ف.خ » التخلص من حياته بالشنق، لعدم حصوله على فرصة عمل بالخارج، وَفق تصريحات والده.
وفى عام 2012 تغير أسلوب التخلص من الحياة، بعد أن ألقى مواطن يدعى «خالد.أ.ج» بنفسه تحت عجلات مترو الأنفاق، بمحطة دار السلام، بسبب خلافات مع زوجته، وفقا لما جاء فى محضر الواقعة.
وفى سبتمبر 2014، ظهرت أكثر من 13 حالة انتحار مأساوية ما بين إطلاق الرصاص فى الرأس لطالب رسب فى امتحان الثانوية العامة، أو الشنق من أعلى لوحة إعلانية على طريق مصر- إسماعيلية الصحراوى، بسبب ضائقة مالية، أو القفز من أعلى كوبرى قصر النيل على مرأى ومسمع من الجميع، بسبب البطالة.
ألا تشعر عزيزى القارئ أن حوادث الانتحار يكرر بعضها بعضًا؟ وأن الأسباب تتكرر أيضًا؟ ما يعنى أن الأسباب ما زالت قائمة، وأن ثمة شخصًا لم يحرك ساكنًا ويدرك فداحة الخطر الذى يضرب الأسرة فى مقتل، ومن ثَمَّ يزعزع المجتمع ويهدد سلامة بنيانه.
منذ التحول فى عمليات الانتحار ولم تسأل الدولة نفسها عن الرسالة التى يريد أن يقدمها المنتحرون، هؤلاء البؤساء الذين تركوا الدنيا بأعبائها وهمومها وقرروا أن يلقوا بأنفسهم فى غياهب المجهول، هؤلاء الذين ماتوا تاركين رسائل عتاب للأسرة أو طلبات بريئة بسداد ديونهم.. متى تشعر الدولة أن شيئًا ما غير معتاد يحدث؟ مواجهة تهديد الانتحار أمر يتطلب نضجًا دينيًّا وعلميًّا، فعلى سبيل الدين لا يصح أن تُصب اللعنات يوميًّا على المنتحرين ويتم وصفهم بـ«الكفار» وتصبح سيرتهم على كل الألسنة بعد وفاتهم، ما يسبب حرجًا لأسرهم من بعدهم، فضلًا عن عدم صحة هذا الرأى الفقهى، فمَن يكون هذا الشيخ أو ذاك المُغرّد حتى يُكفّر شخصًا ما؟ ماذا يعلم عن حالته النفسية ومدى استقرارها؟ ألا يصح أن ندعو الله بأن يشملهم فى رحمته بدلًا من الخوض فى إيمانهم وسلامة اعتقادهم؟
وعلى المستوى العلمى، يجب أن تحظى الصحة النفسية باهتمام أكثر من الآن، أين الصحة النفسية من خطة النهوض بالتعليم الجديدة؟ وأين الصحة النفسية فى أجندة الحكومة؟ وأين الطب النفسى من الفن الحقيقى؟ ألم يحن الوقت للكف عن أسطورة «مستشفى المجانين» والإيمان بأهمية الصحة النفسية؟
الوضع الحالى يتطلب التفكير خارج الصندوق، فعلى سبيل المثال، دولة اليابان خصصت خطوطًا ساخنة يتواصل معها الشخص إذا شعر بالضعف أو الإقدام على الانتحار، ما أدى إلى انخفاض نسبه بشكل ملحوظ فى الأعوام الثلاثة الماضية.
وعندما ارتفعت نسبة الانتحار فى إسبانيا عام 2013 ووصلت إلى 3870 شخصًا، بسبب الاضطراب العقلى والهوس الاكتئابى والفصام والإدمان، فتحت الحكومة المصحات النفسية للمواطنين بشكل سرى ومجانى.
أما فى مصر، فلا حياة لمَن تنادى ولا ديّة لمن أقبل على الانتحار، فالدولة لا تضع نفسها موضع المواطن الذى شرب السم أو تعلق فى مشنقة، ولا تشعر بما سببه من ألم نفسى لأفراد أسرته والمحيطين به، وكأن مَن مات «أراح واستراح».
نحن أمام كارثة حقيقية.. شبح البؤس يسيطر على المواطنين، والشباب أصبح غير مبالٍ بالحياة، فبدلًا من استغلال طاقتهم أصبحنا نسير فى جنائزهم، لابد أن تؤمن الدولة بقيمة المواطن، آن الأوان أن تهتز الدولة لوفاة أحدهم أو انتحار آخر.
أعزائى المنتحرين الذين سبقتونا إلى دار الآخرة.. أعتذر لكم بالنيابة عن مجتمع لم يعرف قيمتكم الإنسانية، وبالنيابة عن أناس لم يستطيعوا معالجة جروحكم الداخلية، وبالنيابة عن أسر لم تفهم قواعد التربية الإيجابية السليمة، وبالنيابة عن كل مَن يخوض فى سمعتكم بعدما رحلتم. أعتذر لكم.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات