.

جمهور الجماعات الدينية

Foto

هل أعضاء الجماعات الإسلامية مرضى نفسيون؟ لماذا يكره أعضاء الجماعات الإسلامية مجتمعاتهم؟


كم هو معقد هذا النوع من الجمهور، جمهور الإسلام السياسى، تركيبته معقدة وفهمه لا يتم إلا فى ضوء فهم سيكولوجية هؤلاء الأفراد، بالطبع لا يمكن لأى باحث فى تاريخ الجماعات الإسلامية أن يفكك هذه القضية دون فهم السياق النفسى للجماعات الدينية وما عانته من عُقد نفسية حاكمة، كما أن هذه الجماعات قد لحقت بها هذه العقد النفسية على مدى تاريخها، مما أصاب الوعى الجمعى لهذه الجماعات.

وما وصفناه سابقًا يندرج تحت ما يسمى العقل الباطن الجمعى «اللا شعور الجمعى»، وهو يحوى أرشيفًا لتاريخ الأمم والجماعات يؤثر بوعى أو دون وعى فى طرق تفكيرها ووجدانها وسلوكياتها، ودون هذه النقطة الكامنة فى أعماق النفس يصعب فهم الكثير من سلوكيات البشر أفرادًا أو جماعات، كما عبَّر أحد الباحثين.
وتأتى النقطة الأولى فى إطار شرحنا هنا ما سبق أن ما ذكرناه عن الجيتو الدينى وحالة الانغلاق المجتمعى، تلك الحالة التى جعلتهم يعيشون دائمًا فى حالة من الاغتراب والنفى، والنظريات المعاصرة فى الطب النفسى تؤكد أن الضمان الاجتماعى يؤدى إلى حالة من الانحسار الروحى والانكماش النفسى والقلق والشك واليأس، ثم تتفاعل هذه المشاعر وتتولد فيها حالة الاغتراب، وكذلك رسَّخ هذا الانغلاق حالة الخوف من المحيط بعنصرية الطبيعة والإنسان فى النفسية الشيعية، ومن هنا نشأ الشعور بالاغتراب وما يتبعه من شعور الاضطهاد.
إن العناصر الشعبية المندرجة فى سياق الجماعات الدينية يصير لديها ما يعرف بحالة الذوبان فى الجماعة، وهو أمر ينحصر فى الحديث عن الجماعات المنغلقة، وهى وليدة الإحساس بالتهديد الخارجى، لذا فإن الجماعة تصور العالم لدى المنتمى إلى هذه الجماعة بأنه عالمان متناقضان تمامًا، الخارج والداخل، أما الخارج فهو العدو ومصدر الخطر والشر، العلاقة معه عدائية اضطهادية والموقف منه إما انسحابى تجنبى وإما تهجمى تدميرى، أما الداخل فهو الخير كله وهو مصدر الشعور بالأمن والشعور بالانتماء، مصدر الهوية الذاتية، وهو بالتالى المرجع والملاذ.
فالإنسان الذى يشعر أنه مقهور يستعيض عن عجزه الفردى بالاحتماء بالجماعة، وبقدر شعوره بتفاقم الخطر الداخلى يميل إلى الذوبان فى الجماعة، وحسبما عبر أحد المتخصصين «أن ذلك أحد قوانين الطبيعة، وكلما ازداد الشعور بالقوة عند الكائن الحى نراه يميل إلى الفردية والاستقلال، وعلى العكس نجد الكائنات المهددة بيولوجيًّا تميل إلى التجمع بمقدار التهديد الذى تتعرض له من آفات الطبيعة أو من الكائنات العدوة..».
وهنا تتضخم قيمة الجماعة حتى تصبح القيمة المطلقة أو الوحيدة وتتضخم معها بنفس الدرجة قيمة الفرد، ويأخذ الأمر على هذا المستوى نوعًا من الشعور بالامتلاء والاعتزاز بالانتماء وحالة من الإحساس بالمنعة وترتفع درجة الذوبان فى الجماعة على المستوى الفردى بما يتناسب مع مستوى الإحساس بالضعف والعجز وانعدام القيمة لأكثر الأفراد ذوبانًا فى الجماعة وتعصبًا لها.
إن هذا النوع من الجمهور كما سماه «غوستاف لوبون» «الجمهور النفسى»، يختلف عن التجمع العادى أو العفوى للبشر، فالجمهور النفسى يمتلك وحده ذهنية على عكس التجمعات غير المرتبة أو المقصودة، رغم ذلك فإن نطاق الجمهرة فى فكرته الأصلية هو اعتقاد قطيعى أو انسياق فى تيار متدفق لا يستبين مَن يقع فى دوامته إلى أين يتجه به ولا إلى أين يدفع به، فالجماهير الجماعية محكومة كثيرًا باللا وعى، وبالتالى فهى خاضعة أكثر مما يجب لتأثير العوامل الوراثية العتيقة.
وينقلنا هذا المنحنى إلى الحديث عن الموقف الجمعى للجماعات المنغلقة عمومًا وجماعات الإسلام السياسى خصوصًا من التاريخ، وهو ما أطلق عليه البعض «عقدة تجميد التاريخ»، فِهم يُستغرق فى أحداث معينة من الماضى ويُجمد حيالها حتى كأن عجلة التاريخ قد توقفت حركتها عند أعتابها، فعندما تتبنى جماعة ما موقفًا أيديولوجيًّا من التاريخ فهى غالبًا ما تتخذ هذا الموقف تحت وطأة ظرف كثَّف لديها الشعور بحدث تاريخى معين وهو ما سماه البعض «أدلجة التاريخ»، أى تحويل الحديث التاريخى إلى قيمة ومعنى أكثر منه واقعة تاريخية.
وفى سياق مختلف، فإن مثل هذه التقوقعات الجماعية ينشأ عنها ما يعرف بالاتجاهات التعصبية والتى تنشأ دائمًا بطريقة غريزية ضد الأفراد الذين يختلفون عن الجماعة فى ما يعرف بنظرية كراهية الاختلافات، وبذلك فإننا أمام قطيع مشوه نفسيًّا، حانق اجتماعيًّا، ضحل فكريًّا، قادر على أن يتحول بكل بساطة إلى جيش من الزومبى المسلوب الإرادة الجاهز للانفجار فى وجه المجتمع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات